مازال مشهد لقاء القادة الخليجيين وهم يجتمعون لأول مره تحت غطاء سياسي واحد في بداية الثمانينيات حياً في ذاكرة أبناء الخليج، واليوم بعد مضي أكثر من ثلاثين عاماً نرى أن المجلس اليوم يواجه عقبات وتحديات جسيمة إقليمية ودولية تعصف بالمنطقة؛ منها ما هو عسكري، ومنها ما هو اقتصادي لكن على الرغم من ذلك صمد المجلس وظل يشكل مظلة سياسية حقيقية لشعوبه على الرغم من أن كثيراً من المشروعات الوحدوية في الشرق الأوسط والعالم مرت بتحديات أقل ورغم ذلك لم تصمد أمام تلك التحديات وهذا في نظري يُعد من أهم إنجازات هذا المجلس.
قبل أيام انتهت القمة الخليجية التشاورية بمدينة الرياض، وقد اتفق قادة المجلس على اقتراح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله- بأن تتولى لجنة وزارية دراسة تفاصيل دعوة التحول من مرحلة التعاون الخليجي إلى مرحلة الاتحاد، وهي رؤية تطلعية مستقبلية إلى بناء وحدة حقيقية تُعبر عن تطلعات شعوب المنطقة وآمالها وتشكل تحولاً حقيقياً للشكل السياسي والاقتصادي للخليج يسمح له بأن يبقى قوة سياسية واقتصادية وبشرية في مواجهة تقلبات السياسة الدولية.
وهنا أتساءل مثل غيري: ما هو شكل هذه الوحدة؟ وهل ستأتي على شكل الوحدة الأوروبية أم ستبقى على مستوى تنسيق المواقف السياسية والسياسات الاقتصادية وتوحيد الأنظمة والقوانين بين الدول الأعضاء، ليكون الصوت الخارجي موحداً؟!إن محاولة جمع شعوب المنطقة وتوحيدها في بناء ونظام وحدوي حلم رائع يراود كل مواطني الخليج، حيث يُرسخ الوحدة التاريخية للجزيرة العربية، وكذلك النسيج الاجتماعي المتماثل، ووحدة الدين والدم واللغة والموروث الثقافي والاجتماعي المشترك، لكن حلماً بهذا الحجم لا تكفي العواطف والأمنيات لتحقيقه، ونحن لدينا أمثلة في التاريخ العربي الحديث لنماذج وحدوية قامت على العواطف والمشاعر ولم يكتب لها النجاح على الرغم من سمو هذه المشاعر وقيمتها التي بُنيت عليها. إن مشروع الوحدة سوف ينقل منطقة الخليج إلى مصاف التكتلات السياسية والاقتصادية المؤثرة نظراً لما تملكه كل دولة من مزايا وثروات متنوعة بحسب كل دولة، وكذلك سينقل منطقة الخليج من منطقة مستهدفة بالتهديد إلى منطقة أكثر استقراراً وبحساب المعادلات الدولية ستكون أكثر ثقلاً بالتأثير في القرار الدولي ولا سيما في ظل القوة الاقتصادية المتمثلة في توافر منابع النفط، والاستقرار السياسي، والموقع الجغرافي المهم.كما ستساهم الوحدة بالنسبة إلى الشعوب في إيجاد توازن عملية التنمية في هذه البلدان، وتمكنها من جمع قدراتها وإمكاناتها وتوظيفها بشكل أشمل، بحيث تعتمد كل دولة على ما لدى الطرف الآخر الذي ربما ينقصها في الأساس، وكذلك ستمكنها من سد حاجة بعض الدول الأعضاء التي تعاني من شح في الكوادر المحلية من دولة إلى أخرى في المجلس والأمثلة كثيرة؛ مما يحافظ على النسيج الاجتماعي ويمنع أي تدخلات خارجية بأي صفة كانت.ولا يشك عاقل ولديه أدنى حد من المتابعة لما يدور من حولنا في العالم أو حتى دروس التاريخ أن الوحدة الخليجية مطلب ملح للبقاء كقوة في المستقبل تواجه تقلبات وتحديات السياسة الدولية والمنافسة الاقتصادية التي شكلت هاجساً مقلقاً للأوروبيين دفعهم إلى بناء مشروعهم الوحدوي الذي يشكل الآن قوة دولية كبرى لها انعكاساتها السياسية والاقتصادية والتنموية على المواطن الأوروبي.
لقد آن الأوان بأن يسارع القادة الخليجيون إلى جعل هذه الوحدة في أول سلم أولويات عملهم السياسي، وأن يعملوا على إنهاء دراسته بشكل سريع ليتم الإعلان عن قيام وحدة خليجية قوية تواجه كل التحديات السياسية والاقتصادية، وأن تكون مفعلة على أرض الواقع.إن من أهم ما يعمل على نجاح هذه الوحدة هو أن تكون مصالح مواطني المجلس في أولى درجات سلم الاهتمام بهذه الوحدة وذلك عبر تهيئة كل السبل لينعم المواطن الخليجي برغد العيش، وأن تكون المساواة لجميع المواطنين في دول المجلس؛ من حيث دفع فواتير الخدمات وأن تكون الأنظمة موحدة في كل شيء.
ومن المكاسب التي ستتمخض عن هذه الوحدة هي أنها ستفتح أمام أبناء الخليج باب الاستثمار في أي دولة خليجية شاءوا دون تفرقة أو تحيز، وكذلك ستكون عامل استقرار الاقتصاد الخليجي الموحد حسب تنوع صادراته، واستفادة المواطنين في المجلس من توحيد العملة الخليجية والتعرفة الجمركية، وهذا سوف يضيف القوة إلى الاقتصاد الخليجي.
لذا يمكن بشكل عاجل البدء في مشروع الوحدة عبر عدة مسارات متوازية، مثل: توحيد العملة والنظام الجمركي والسياسة النقدية وقوانين الاستثمار والسوق المشتركة وتوحيد النظم التعليمية والصحية والخدمية؛ لأن معظم هذه المجالات قطع المجلس فيها مشواراً كبيراً في إنجازها منذ تأسيسه.
والأبرز والأهم من ذلك هو تشكيل جيش خليجي موحد قوي مهمته الدفاع عن دول الخليج ضد أي تهديدات أو أخطار قد تتعرض لها أي دولة، وتكون من مهماته المحافظة على الاستقرار ونشر الأمن في ربوع منطقتنا الخليجية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦) صفحة (١٢) بتاريخ (١٨-٠٥-٢٠١٢)