يسجل لمجلس التعاون الخليجي أنه المجلس الوحيد بين المجالس العربية الذي صمد منذ تأسيسه في مايو 1981، بينما تبخر مجلس التعاون العربي الذي ولد ميتا عندما لم «الشامي على المغربي» كما يقول أهل الشام، في حين دخل مجلس التعاون المغاربي في غرفة الإنعاش منذ سنوات طويلة ولايزال يعيش على الأجهزة التي في حدها الأقصى تبقيه على قيد الحياة دون حراك.
ومن الظلم مقارنة مجلس التعاون الخليجي بالمجالس العربية الأخرى التي جاءت على شكل ردات فعل واضحة، كما هو حال مجلس التعاون العربي الذي أطلق عليه العديد من المراقبين أنه تجمع للفقراء مقابل تجمع الأغنياء في الخليج. فمجلس التعاون الخليجي تشكل ولم يكن في وارد أعضائه مواراته الثرى لأسباب كثيرة تتعلق بطبيعة المرحلة التي تطلبت تشكيله، وبسبب الجغرافيا التي تقع بلدانه فيها، ناهيك عن طبيعة النظم السياسية المؤسسة لهذا التجمع الإقليمي. بيد أنه وبعد أكثر من واحد وثلاثين عاماً على تأسيس المجلس، وبروز فكرة الاتحاد الخليجي التي تأجل إنجازها إلى فترة قادمة، فإنه من الموضوعي إثارة السؤال المركزي في هذه الحالة: هل أنجز الخليجيون متطلبات التعاون ليدخلوا مرحلة الاتحاد؟ ولماذا تطرح فكرة الاتحاد بين دولتين أو أكثر بدلا من الاتحاد السداسي، الذي يتشكل منه مجلس التعاون الآن؟
بعد عشر سنوات من استقلال إمارات الخليج، وبعد جهود مضنية توجت بقمة تأسيسية عقدت في أبوظبي في الفترة ما بين 25-26 مايو 1981 وتم فيها التصديق على النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وفي الدورة الثانية التي عقدت بالرياض وقع زعماء الدول الست على الاتفاقية الاقتصادية الموحدة، وذلك في 11 نوفمبر 1981، ثم جرى عليها تعديلات عديدة لتصل إلى نهاياتها بتوقيع قادة المجلس على الصيغة المعدلة في 31 ديسمبر 2001 خلال انعقاد قمة مجلس التعاون الخليجي في العاصمة العمانية مسقط.
لقد تشكل مجلس التعاون الخليجي بعد عدة أشهر من اندلاع الحرب العراقية الإيرانية التي نشبت في سبتمبر 1980، وقد تحققت إنجازات ملموسة وأهمها توحيد التعرفة الجمركية في العام 2003، ومعاملة المنتج الخليجي معاملة المنتج الوطني، وزيادة نسبة انسياب السلع والبضائع وتنقل الأفراد من خلال التنقل بالبطاقة الشخصية بين دول المجلس ومعاملة المواطن الخليجي معاملة المواطن في أي دولة عضو فيه.
والسماح للتملك والاستثمار لمواطني المجلس في الدول الأعضاء، والسماح لأبناء دول التعاون بالعمل في أي دولة عضو في المجلس، وتفيد الإحصائيات الصادرة عن الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي أن عدد الذين يعملون في القطاع الحكومي بدول المجلس في غير بلدهم الأصلي قد زاد من عشرة آلاف موظف عام 2000 إلى حوالي 16 ألفا في العام 2010، يتركز 67 بالمئة منهم في الكويت، وفي القطاع الأهلي زاد عدد أبناء المجلس العاملين في الدول الأعضاء من نحو 12 ألفا في العام 2002 إلى حوالي 23 ألفا في العام 2010، وأغلبهم يتركز في الكويت أيضا بنسبة 81 بالمئة. كما تم مد المظلة التأمينية على إثر قرار القمة الـ23 التي عقدت في الدوحة عام 2002 وأصبحت ملزمة في العام 2004 على إثر قرار قمة المنامة. وفي مجال التملك بلغت حالات تملك العقارات في نهاية 2010 إلى نحو 78 ألف عقار حصدت الإمارات المرتبة الأولى تلتها عمان والمملكة العربية السعودية.. وفي مزاولة الأنشطة الاقتصادية بلغ العدد التراكمي مع نهاية 2010 للتراخيص الممنوحة 32318 مقارنة بـ6514 في نهاية العام 2000.
بالمقابل ثمة إخفاقات لم تتمكن دول المجلس من إنجازها رغم أهميتها، ومنها استمرار الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل ومحرك أكبر للاقتصاديات الوطنية حيث يشكل ما بين 80 إلى 90 بالمئة من العوائد الحكومية. وتعد المشروعات الكبرى أهم نقطة ضعف في الجانب الاقتصادي، حيث تواجه شركات الطيران والنقل البحري والبتروكيماويات والألمونيوم وغيرها من المشروعات الكبرى منافسات ضارة أدت إلى تسجيل خسائر مؤكدة خاصة في حقل الطيران الذي تتعرض شركاته إلى خسائر مؤكدة. أما في المجال الاجتماعي، فبالرغم من الفوائض المالية الفلكية الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط، حيث يصل الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو تريليون دولار، والفائض المالي للعام الجاري 2012 متوقع له أن يصل إلى 265 مليار دولار، إلا أن الأزمات الكبرى لاتزال عصية على الحل، كما هو الحال مع أزمة الإسكان والبطالة التي تتراوح ما بين 7 إلى 15 بالمئة.
ثمة الكثير من القضايا التي ينبغي على مجلس التعاون إنجازها لخلق أرضية صلبة تقود إلى مرحلة الاتحاد، منها الارتقاء بحقوق الإنسان والحريات العامة والديمقراطية من أجل تأسيس الدولة المدنية القائمة على المؤسسات والقانون والمواطنة المتساوية. إن اتحادا سداسيا هو الأكثر قدرة على محاكاة المتغيرات والتحديات التي تواجه المنطقة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٦٦) صفحة (١٣) بتاريخ (١٨-٠٥-٢٠١٢)