توجه أمس ملايين المصريين إلى صناديق الاقتراع لاختيار رئيس جديد للبلاد من بين عدة مرشحين مختلفي الخلفيات والمشارب، وذلك في تتويج لثورة الشعب المصري التي قامت منذ أكثر من عام وشهدت بين لحظة الذروة فيها (تنحي الرئيس المصري السابق حسني مبارك) وبين انتخابات أمس العديد من الحوادث والتطورات التي كان بعضها مؤسفاً وبعضها باعثاً على الأمل بمستقبل أفضل للبلاد.
ولعل أغرب ما شهدته مصر بعد ثورة 25 يناير هو ظهور من يمكن تسميتهم بـ «الثورجية» فيها وهم هؤلاء الذين ظنوا أنَّ جميع مشكلات البلاد سواء الداخلية أو الخارجية يمكن حلها بالتظاهر والاعتصام وما قد يرفق ذلك من تجاوزات يراها كثير من «الثورجية» مبررة بل ومقبولة، وهو ما أدى في النهاية إلى مواجهات حقيقية مع المجلس العسكري الحاكم للبلاد الذي انحاز بكل وضوح إلى الشعب المصري خلال ثورته، ليصبح هو العدو الذي ينادي البعض برحيله رغم أنه لا يملك النية للبقاء على رأس الحكم من الأساس، بل سارع لتنفيذ خطوات الفترة الانتقالية من انتخابات مجلسي شعب وشورى ورئاسية الآن، وحرص على أن تكون كل تصرفاته دستورية وذلك عندما حرص على إجراء استفتاء دستوري فور تسلمه مقاليد حكم البلاد في الفترة الانتقالية.
ولعل الحديث كثيراً عمَّا حدث في مصر منذ الثورة وحتى الأمس لم يعد مجدياً لكن من المهم بمكان الإشارة بوضوح إلى خطورة استمرار «الثورجية» في السعي لحل أي خلاف سياسي في البلاد على طريقتهم (اعتصام وتظاهر)، فمصر لديها الآن مجلس شعب منتخب وتنتخب الآن رئيسها تحت رقابة دولية وفي أجواء شفافة، وهذه خطوات تقود إلى حالة واحدة في مصر وهي الحالة الديمقراطية لا الثورجية، ولذا فالخلاف السياسي المصري مستقبلاً يجب أن يسلك قنواته الطبيعية عبر البرلمان، وفرض الرأي السياسي لن يكون إلا عبر صناديق الاقتراع وتحقيق الأهداف لن يتم باعتصام أو مظاهرة بل عبر قرارات برلمانية أو رئاسية أو حكومية.
ولعل أهم مهمة للنخب في مصر ومجلسي الشورى والشعب بل والرئيس القادم أن ينشروا هذه الثقافة بين الجماهير المصرية كي يكتمل الانتقال الديمقراطي في مصر وكي تعبر من الفوضى إلى الاستقرار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٢) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٤-٠٥-٢٠١٢)