لقد أثبتت المرأة السعودية بكل جدارة قدراتها الفائقة وإمكاناتها الكبيرة عندما أتيحت لها الفرصة للمشاركة الوطنية؛ حيث تعزز دورها في ذلك بشكل متزايد وخصوصاً في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز – حفظه الله –، بل نجد أمامنا حقائق جلية تؤكد أن مشاركة المرأة شكلت قيمة مضافة إلى العمل الوطني في مختلف المجالات، فهل نستسلم للثقافة الاجتماعية المجحفة بحق المرأة أم نتبع وننحاز إلى تعاليم ديننا الحنيف الذي أنصفها وأنزلها المكانة اللائقة بها؟
إن الحديث عن المرأة في بلادنا حديث ذو شجون نظراً لما تواجهه من قضايا ذات تعقيدات شائكة في محاكمنا مثل: قضايا الخلع، والعضل، والطلاق، والمواريث، والنفقة… إلخ، وهذه القضايا دائماً ما تعيق المرأة كثيراً في بلادنا حتى أن بعض القضاة يؤخرون البت في الأحكام المتعلقة بتلك القضايا سواء لصالحها أو ضدها.
كثيراً ما تطالعنا وسائل الإعلام بخبر أو تحقيق يتعلق بقضايا المرأة في المحاكم ومرافق القضاء، وحجم المعاناة والمشكلات التي تواجهها في سبيل متابعة شؤونها المتعلقة بهذا المرفق المهم والحيوي، ولا يمكن لعاقل أن ينكر الصعوبات التي تواجه المرأة في كثير من وزارات الدولة ومؤسساتها، وخصوصاً في مجال القضاء.فإذا كان هنالك إجماع على أن ديننا الإسلامي هو الذي حثنا على احترام المرأة وتقديرها وإنزالها المنزلة التي تليق بها، وساواها مع الرجل في التكاليف الدينية والاجتماعية، وأباح لها الأعمال التجارية، مثل: البيع والشراء، والوقف، والصدقة، والكفالة… إذاً أين تكمن المشكلة؟في نظري المشكلة تكمن في هيمنة ثقافة شعبية اجتماعية على ملف المرأة عموماً حتى أصبحت المرأة وقضاياها أرضية خصبة للجدال والنقاش والتنابذ ووصل الأمر إلى حد الاحتقان والإقصاء بين أغلب الأطراف المؤيدة منها لمناقشة أوضاع المرأة والرافضة بتاتاً للتحدث في قضايا المرأة وطرحها للنقاش.الجانب الآخر في هذه القضية هو الحديث عن الحق المشروع للمرأة في المؤسسات القضائية، والجميع يعلم ما تعانيه المرأة عند مراجعتها للمحاكم وغيرها من جهد وعناء وتعب دون أن تستطيع إنهاء أمورها بيسر وسهولة، حتى أنها تضطر إلى توكيل أحد من أقاربها لمتابعة قضيتها؛ حيث أصبحت المرأة رهينة في يد موكلها سواء كان زوجها أو شقيقها أو عمها أو خالها… وما نجم عن ذلك من مشكلات كثيرة، مثل: أكل لحقوقهن عن طريق بعض الموكلين، وتسبب في ضياع أملاك أموال كثير من النسوة في مجتمعنا، ودب الخلاف والفرقة بين الأسرة الواحدة بسبب تلك المشكلات، مما يجعل البعض يتساءل عن سبب المشكلة هل هي من القضاء أم من الإجراءات المتبعة؟
في ظني أن الإشكالية ليست في القضاء نفسه، المشكلة في طبيعة الإجراءات؛ لأنه لابد من إعادة النظر في كثير من الأنظمة الحالية وكذلك سن المزيد من التشريعات والقوانين لتصحيح وضع المرأة ومعالجة قضاياها؛ لأن ذلك سيكفل لها المحافظة على حقوقها واحترام سيادتها وذاتها وإنصافها في المجتمع، وحان الوقت لتخصيص مكاتب نسوية في المحاكم والاستعانة بالمرأة في مرافق القضاء لأنه يمثل أحد أهم الأجهزة الحكومية في بلادنا فلا ضير أن يُسمح للمرأة بالعمل في هذا الجهاز، بما يتناسب مع تخصصها وميولها؛ لأن ذلك سوف يساعد كثيراً من النسوة عند مراجعتهن للمحاكم على متابعة قضاياهن، أو حجز مواعيد للجلسات عند القضاة، أو إنهاء إجراءات معاملاتهن بأنفسهن وغيرها من الأمور التي تخصهن في المحاكم، ويسهل عليهن إجراءات كثيرة هي مازالت معقدة حتى الآن.في اعتقادي الإجراءات أو التشريعات سوف تساعد في إنهاء مشكلة الموكل الذي أتعب كثيراً من النسوة، وساهم في تعقيد معاملاتهن، وتسبب أيضاً في طلاق الكثير منهن وحرمانهن من أولادهن خاصة إذا كان الموكل هو الزوج وذلك بسبب المشكلات التي تحدث وخاصة عندما تزداد الشكوك في تلاعب الموكل بها.
ختاماً نأمل أن تكون قضايا المرأة وهمومها هي محل اهتمام النساء أنفسهن وأن يفتح المجال لهن للمطالبة بحقوقهن؛ لأنهن الأولى بالمطالبة من بعض الرجال الذين يدعون أنهم يدافعون عن حقوق المرأة، وهم أبعد ما يكونون عن ذلك.كما نأمل أن نرى وجود للمرأة في المحاكم الشرعية من خلال تأسيس هيئات استشارية نسائية داخل المحاكم الشرعية تعمل بها موظفات مؤهلات من ذوات الخبرة والاختصاص يهتممن بشؤون المرأة وقضاياها، لنستطيع بذلك أن نتخلص من قضية إحضار المعرف أو الشاهد بسبب وجود الهويات الشخصية النسوية، كذلك لابد من جعل قضايا المرأة من الأولويات التي يُهتم بها ويُنظر فيها دون تأخير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣) صفحة (١٤) بتاريخ (٢٥-٠٥-٢٠١٢)