كان الحادي والعشرون من مايو الجاري، موعد المراجعة الدورية لملف البحرين في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، يوماً طويلاً بامتياز، فقد احتشد البحرينيون، سلطة ومعارضة في جنيف، وجاءت المنظمات الحقوقية الدولية بتقاريرها في المؤتمر الموازي لمؤتمر الدول التي ناقشت الوفد الرسمي البحريني عن مدى تنفيذه للتوصيات الخاصة بالمراجعة الدولية لحقوق الإنسان وعن الوضع الراهن الذي بدأت فيه أوضاع حقوق الإنسان بالاهتزاز منذ الرابع عشر من فبراير 2011، يوم اندلاع الحراك الشعبي في البحرين.
انقسم مجلس حقوق الإنسان في ذلك اليوم إلى فسطاطين: أمريكا وأوروبا وأمريكا اللاتينية ودول آسيوية وإفريقية في خانة، وأغلب الدول العربية في الخانة الثانية المواجهة. كانت المجموعة الأولى توجه انتقادات وأسئلة في العمق للوفد الرسمي البحريني، بينما اكتفت أغلب الدول العربية بإثارة أسئلة كأنما هي مرتبة ومدروسة بشكل مسبق.
أغلب المناقشات التي استمرت طوال ذلك اليوم ركزت على مدى تنفيذ البحرين لتوصيات تقرير لجنة تقصي الحقائق التي أطلقها رئيس اللجنة في الثالث والعشرين من شهر نوفمبر 2011، التي تطرقت لما جرى خلال شهري فبراير ومارس من نفس العام. التوصيات التي راهن البحرينيون على أنها ستكون القاطرة التي يمكن لها نقل البلاد من حالة الاحتقان السياسي والطائفي إلى الانفراج الأمني والسياسي، خصوصا بعد إعلان الجانب الرسمي استعداده التام لتنفيذها ووقوف المعارضة السياسية بمختلف تلاوينها مع التوصيات واعتبارها نقطة الانطلاق الجديدة القادرة على تلافي الانزلاق إلى المزيد من العنف والعنف المضاد، وإحداث النقلة النوعية المطلوبة لتجاوز الخسائر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تزداد في البحرين صبيحة كل يوم يتم فيه التأخر عن حل الأزمة السياسية.
ثمة عناوين كبرى ستناقشها ترويكا مجلس حقوق الإنسان اليوم الجمعة لتخلص إلى قرارات وتوصيات بعد أيام مثيرة من المناقشات في الكثير من الملفات الحقوقية ذات الصلة بما حدث في البحرين منذ فبراير 2011 حتى الوقت الراهن. ولعل أهم عنوان في المناقشات هو ملف تعذيب المعتقلين، ووفاة العشرات منهم في ظروف لم يتم الإفصاح عن تفاصيلها بعد، إضافة إلى ملف المفصولين من أعمالهم، الذين بلغ عددهم نحو خمسة آلاف مفصول، أعيد أغلبهم وتبقى نحو 1500 موظف في القطاعين العام والخاص لايزالون عاطلين عن العمل. وأغلب الذين عادوا إلى أعمالهم لم يرجعوا إلى نفس المواقع الوظيفية التي كانوا يشغرونها قبل فصلهم. إلى جانب هذين الملفين هناك ملف المعتقلين على خلفية التعبير عن آرائهم وانتماءاتهم السياسية، حيث لايزال المئات محتجزين في محابسهم منذ شهر مارس من العام الماضي وما بعده.
إن أسوأ ما في الأزمة البحرينية هو الاستقطاب الطائفي الذي أخرج النفس البحرينية من سكينتها وطبيعتها الخيرة التي اكتسبتها منذ عشرات السنين، عندما كانت البحرين مركز ترانزيت رئيسيا في منطقة الخليج العربي، تمتلك القدرة على التعاطي مع مختلف الجنسيات بروح وثابة قادرة على استيعاب القادمين من وراء البحار والتفاعل معهم بلباقة وأخلاق. انتزاع هذه الروح من الجسد البحريني كفيل بإحداث اضطراب نفسي عميق يؤسس إلى خلل في المكونات المجتمعية للشعب البحريني، حيث جرى العبث بهذه النفسية الخيرة واستحضر مكانها الجانب الشرير غير القابل بالآخر من بني جنسه ووطنه.
وقد لعب الإعلام التقليدي والحديث دوراً سلبياً في إذكاء نار الفتنة لنصل إلى الوضع الراهن من التجاذب الطائفي. وهو وضع ينذر ليس فقط بإحداث أزمة بحرينية مستفحلة، إنما يشكل استمراره خطراً على منطقة الخليج التي تعيش أصلا وضعا غير مستقر بسبب الأزمات التي عصفت بها وتلك التي تختمر تحت الرماد. ربما يكون المخرج الرئيس للأزمة البحرينية هو معالجة قضية حقوق الإنسان التي تشكل الرافعة الحقيقية على المستوى الوطني العام لأي حل يراد له الاستمرار والديمومة. فهذا الملف الذي يناقش الآن على المستوى الدولي، من شأنه أن يضع البلاد على سكة الحل الصحيح بعد أن تداوي الجراحات بمشروع ذي صلة يتمثل في العدالة الانتقالية لجبر الضرر عن المتضررين من أي طرف في الصراع، وتعويضهم بما يتماشى وحجم هذا الضرر، وذلك على غرار ما سارت عليه جنوب إفريقيا التي قضت على الفصل العنصري والتمييز بجرأة قيادتها المتمثلة في نيلسون مانديلا، الذي رفع شعار المصارحة والمصالحة الوطنية، بدلا من الاحتراب الأهلي، وكذلك في المغرب التي حققت نجاحات ملموسة في معالجة ملف شائك دام عدة عقود من الزمن.
إن مسألة احترام حقوق الإنسان والالتزام بالمواثيق الدولية وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدان الدوليان الخاصان بالحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، هو المدخل الحقيقي والجاد لمعالجة أي أزمة تعاني منها المجتمعات الإنسانية. واحترام هذه الحقوق يشكل عنصر القوة لأي مجتمع ينشد التطور والتنمية المستدامة. والبحرين ليست استثناء من القاعدة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣) صفحة (١٥) بتاريخ (٢٥-٠٥-٢٠١٢)