رئيس الهلال والبلطان يصدران حكماً بـ 100 جلدة للإعلامي محمد شنوان

مراسل “الشرق” يعيش مع الثوار تجربة التظاهر ضد نظام الأسد داخل دمشق

مراسل «الشرق» يحمل الكاميرا وسط متظاهري كفر سوسة (الشرق) دمشق - معن عاقل

طباعة ١ تعليق

دمشقمعن عاقل

التجمعات تبدأ من أمام المساجد وتنطلق في الشوارع حتى الاصطدام بالأمن
مظاهرات دمشق: ثوار يتحققون من هويات المحتجين.. والجيش الحر يحميهم من رصاص الأمن السوري

قبيل صلاة الجمعة في الثالث من فبراير هذا العام، كنت أقف أمام جامع الهادي منتظراً خروج المظاهرة، كانت المرة الأولى التي أخرج فيها في مظاهرة بكفرسوسة، الحي الذي أقطنه منذ أربعين عاماً في قلب دمشق، وذلك بناءً على دعوة أحد الناشطين.
تقدم مني فتى لا يتجاوز عمره السادسة عشرة وطلب مني أن أرافقه، وبشرود واستسلام تبعته، لأكتشف بعد نحو عشرين متراً أنني مطوق من مجموعة صبية يتجاوز عددهم الخمسة عشر، كان الفتى على ما يبدو أكبرهم سناً.
طلب مني هويتي وجهاز موبايلي لتفتيشه، سألته بدهشة عن السبب، فأجابني أنه يراقبني منذ ساعة وأنني أدخن كثيراً وأنني أجريت اتصالات عديدة وأبلغت الأمن عن موعد المظاهرة ومكانها.
هنا، سألته بابتسامة ماكرة: وهل التدخين ممنوع؟ فشعر بالاستفزاز الذي سرعان ما انتقل إلى المجموعة كلها.
حاولت تهدئتهم، وأخبرتهم أنني أتابع على الهاتف أخبار المناطق الأخرى لأنني صحفي، وأن في جيبي كاميرا لتصوير مظاهرتهم، وأنه لا يوجد رجل أمن يتجرأ على الوقوف أمام جامع وحيداً، وهو يعلم أن الآلاف قد تخرج منه في مظاهرة، وبالطبع كانت حججي المنطقية أقرب إلى الهذيان بالنسبة لهم.
لم يكن أمامي إلا المتابعة، سيما أنني لا أعرف اسم الناشط الذي أحضرني، «قبل أن تولد بعشر سنين كنت مسجوناً عند حافظ الأسد، واسمي فلان، وكل كفرسوسة تعرفني»، ولكن لا جدوى.
أخيراً، وبعصبية مفرطة استطردت «ليس معي هوية لأن الأمن صادرها هي وسيارتي في دوما، ولن أعطيك هاتفي المحمول، وأنا هنا للمشاركة»، فجأة وكأن الفتى تذكر شيئاً، مد لي حبل إنقاذ من مواجهة صارت شبه محتومة بيني وبينهم، سألني «ألم تكن تسكن أنت وأبو زكريا في البيت نفسه؟».
ضحكت في سري من بطاقة التعريف الجديدة، فأبو زكريا هو فتى أيضاً، قضيت معه أياماً في منزل مخصص للإغاثة، وهو شخصية أنموذجية لبطل رواية، كتلة من المتناقضات، من الضرورات والمصادفات، والأهم من المرح الثوري والبلادة في لحظات الخطر العصيبة، اعتقل مرات كثيرة، وفي كل مرة أحسب أنه لن يخرج في المدى المنظور من السجن، لمعرفتي بتفاصيل نشاطه، لكنني أفاجأ به بعد أيام في الشارع، وفي آخر مرة اعتقل فيها كان بحوزته مسدس، ومع ذلك استطاع التخلص منه، ليقابلني بعد أيام في الشارع بعبارته الشهيرة «ألم أقل لك أنهم (يقصد الأجهزة الأمنية) لا يعرفون شيئاً؟».
تَمَسَّكْتُ بحبل الإنقاذ، لأواجه أنا وفتى الحبل مشكلة جديدة، ما زالت موجة استفزازي تهدر في الفتية، طالبوا زعيمهم بالاتصال بأبي زكريا، المعلم الأكبر على ما يبدو، للتأكد، وبالفعل نجوت.
أطلقت العنان لمكالماتي، والأهم لعدسة الكاميرا، وقبيل انتهاء الصلاة بلحظات، سرت موجة استفزاز جديدة في الفتية، لا علاقة لي بها، انتشروا بسرعة، إضافة لمجموعات أخرى، على جميع الأزقة المؤدية إلى الجامع وسدوها بحاويات قمامة، وأحجار بناء، وبعض الإطارات المطاطية المعدة سلفاً، كانت وجوههم اختفت بسرعة البرق خلف أقنعة ولم أعد أميِّز أياً منهم، كنت، منذ لحظات، المجهول الوحيد بينهم، وكانت مشكلة، وصرت الآن المعلوم الوحيد، وصاروا هم المجهولين، لكني المعلوم الحيادي، وربما المهمل والمنفي، وشعرت أنني مجرد كاميرا.

بدء التظاهرات

لم تطل تلك اللحظات، ومن باب المسجد علت هتافات الله أكبر كشارة بدء، وانطلقت الجياد نحو سهول الحرية الفسيحة، وعلا الصهيل «ليش خايفين.. الله معنا.. ليش خايفين.. الله معنا»، وكما لو أنها كانت مخبأة تحت أرديتهم، أو في مكان ما قريب جداً، ولدت فجأة الأعلام واللافتات وراحت ترفرف، كأن روح الحرية سرت فيها أيضاً، كأن الحشد رد لها جميلها، هي منحته وسيلة التعبير، وهو وهبها ملعب الريح.
لا أعرف إن كانت الهتافات مدروسة أم جاءت محض عفوية، ما يمكنني قوله أن تسلسلها جاء إبداعياً، ممهوراً بتوزيع موسيقي أوبرالي، كأنه رقصة جمع بشري فُرِض عليه الاختيار بين العيش في الظلام أو الموت في الضياء، وعليه أن يقرر في الحال، أو الأصح سبق أن قرر، لكنه يحتاج إلى الطاقة اللازمة لتنفيذ قراره، ووجدها، كانت أشبه ببيانو، وما عليه سوى تعلم الضرب على مفاتيحه، في البداية كانت عشوائية، ولكن سرعان ما انتظم اللحن. المكان هو الجامع، والروح هي التضحية والإرادة والتوق للمستقبل، تحررت الطاقة وتحولت وانتظمت، وراحت تعبر عن نفسها في هتافات الحشد وتحركاته، في البداية، وريثما يكتمل التجمع، كانت الهتافات تحرض على الانضمام إليه «الله أكبر.. ليش خايفين» مصحوبة بتصفيقات تنتمي إلى ذاكرتي الطفولية أيام طلائع البعث، عندما كنا أطفالاً لا نعرف معنى البعث ولا الطلائع، وكانت آنذاك تتخلل كلمات لم أعد أذكرها، وكانت متعتها أنها تحررنا من الوقوف الإلزامي أو من عقد الساعدين ونحن جالسون، باختصار كانت في دلالاتها الاستبدادية تحررنا من استبداد المؤسسة التربوية على أجسادنا الغضة، لأن المدرسة في ظل الاستبداد تربوية أولاً وتعليمية أخيراً، لترسخ فينا طغياناً غير مرئي، كان يستحيل على أكفنا الغضة إدراكه، لكني أظنها كانت تشعر به، وإن كان من العسير عليها استعادة كنهه، بيد أن الأمر الآن هنا مختلف، لسنا قطيع مدرسة يحتاج إلى تربية ولا خلية منظمة عليها أن تشرب الأدلجة، والأهم لسنا أطفالاً، حتى لو كان بيننا أطفال، ولسنا هاربين من الاستبداد الصارخ نحو الطغيان الماكر، إنما نتأهب لمواجهة الطغيان السافر، باختصار، نحن على الخط الفاصل بين النور والضياء، بين الموت والحياة، بين الحرية والطغيان.
ساعدني الفتية الملثمون للصعود إلى سيارة شاحنة صغيرة، لتحتضن عدسة الكاميرا المشهد، وكنت أفكر بهذه المفارقة المدهشة، عشت حياة كاملة لتحتضن عيناي هذا المشهد، وعندما جاءت اللحظة، سارع الشباب لمساعدة الكاميرا، كانت هذه المفارقة تتبلور في روحي منذ أول مظاهرة شهدتها أمام المسجد العمري بدرعا، بين السياسي المعارض الذي كنته والصحفي الذي صرته، ولولا تلك الكاميرا لكنت بينهم ببطاقة تعريف أخرى، ربما لافتة مكتوب عليها «عذراً حماة سامحينا»، أو ربما حنجرة تنادي «الشعب يريد إعدامك بشار»، أو «لا إله إلا الله والأسد عدو الله»، وربما كفين تصفقان، ولو عاد الخيار لي، لكنت بينهم علماً يلوح في الهواء، كطائرة ورقية لم أفلح قط إبان طفولتي في جعلها تعلو كما أطمح، فعندما كنت أنجح في صنعها، لم يكن يتوفر لي الخيط الطويل كفاية، وحين كان هذا الأخير يتوفر، لم أكن أجيد صناعتها، وها هي المفارقة تلاحقني إلى سن الأربعين، حقاً، لا شيء يموت.
فجأة، وفي أوج الحماسة، تلقى الحشد صدمة من أحد أطرافه، وكما لو أنه جسد واحد، سرت الرعشة فيه، ولأول وهلة دفعته الغريزة البيولوجية للجري في الاتجاه المعاكس، كنت بحاجة لثوان معدودات إضافية كي أصور هذه اللحظة الغريزية، ويبدو أن الفتية فوق الشاحنة الصغيرة اتخذوا القرار ذاته، ولدوافع مختلفة على الأرجح، وحين قررت القفز والهرب، كانوا اتخذوا القرار ذاته بدورهم، لكن فرق العمر الكبير بيني وبينهم منحهم ميزة السرعة، وعوضاً عن أن أقفز، كان نحو ستة منهم دفعوني نحو أسفل، ولم يكن أمامي سوى اختيار وضعية الوصول إلى الأرض، على كتفي، حفاظاً على الكاميرا، لم أنهض مباشرة، وانتظرت حتى أكمل الفتية قفزهم فوقي، محتضناً عيني الثالثة، تلك التي أغار منها في لحظات ضعفي النرجسية، وأحميها في لحظات ضعفها أمام جبروت الغريزة الإنسانية.
نهضْتُ، وببلادتي المعهودة في مثل هذه المواقف، رحْتُ أتفحص الكاميرا، ولم أكد أنهي اطمئناني عليها، حتى كان الفتية استعادوا إرادة الموت في الضياء، بمواجهة غريزة الحياة في الظلام، وراحوا يعودون أدراجهم متفرقين، هاتفين «عالجنة رايحين شهداء بالملايين»، محاولين جمع بعضهم البعض، تبعتهم، وفي زقاق جانبي مقابل الجامع تماماً كانت طلائعهم تهاجم بالحجارة عناصر أمنية تطلق النار عشوائياً في الهواء، بينما كان إطار مشتعل، شبيه بمصباح علاء الدين، يخرج منه مارد أسود يحجب الرؤية، وبين الحين والآخر يختفي فيه فتية أو ينبثقون منه، تقدمْتُ منه بحذر محاذياً الحائط، ماداً عيني الثالثة، الكاميرا، إلى الأمام.
وها هي الآن على خط التماس هذا، تواجه المارد الأسود الذي خرج من الإطار المشتعل وما خلفه، مستمتعة بإرغامي على التواري خلف حائط، متباهية بلعب دور الوصي على المشهد وإبقاء عيني مسمرتين على شاشتها الصغيرة، وفوق ذلك متفاخرة باحتضان هؤلاء الفتية على خط الظلمة والضياء.
فجأة انهمر الرصاص، لم تنسحب الكاميرا ولا الفتية ولم يعد المارد إلى قمقمه، كأن دوي الرشقات تلك هي جزء أصيل من النص والحوار، لا يمكن لأمهر المخرجين حذفه أو التلاعب به، وعلا هتاف من خلفي «الجيش الحر الله يحميه»، وتوالت الرشقات، لكن رشقة مدوية قوية أرغمتني على سحب يدي، والانكفاء، إذ شعرت لبرهة أن إطلاق النار يستهدفني، وأننا وقعنا في فخ، التفَتُ إلى الخلف مستوضحاً عدد الحشد المتبقي، لأجد نفسي في عالم آخر، الرشقة القوية لم يكن مصدرها من الأمام، إنما من الخلف، والفتية يتراكضون في الزقاق بحركات عشوائية مرددين هتافهم وبعضهم احتمى بالجدران ليفسح المجال أمام عناصر للجيش الحر للتصدي لعناصر الأمن، بينما الناشط الذي دعاني إلى المظاهرة يقف خلفي مباشرة، على بعد أمتار، وسط الزقاق تماماً وقد سقط الوشاح عن وجهه، شاهراً مسدساً حربياً ويطلق النار منه، في حين انسحب آخر إلى الخلف بعد أن أفرغ مخزن بندقيته الآلية، تَطَاولْتُ هذه المرة على الكاميرا وطأطأتها نحو الأرض صارخا بالناشط: «لا.. لا» لكن الرصاصات توالت، وعندما انتهى المخزن، صاح بي: «ألا تراهم ماذا يفعلون؟».

تراجع مفاجئ

اضطررت للتراجع، لأن حشداً آخر في الخلف تشكل، ولأنني شعرت بالغبن، أن يتواجه طرفان مسلحان فيما بينهما، فهذا أمر مفهوم، أما أن تحدث المواجهة وبينهما فتية يتظاهرون ويرمون الحجارة، فهذا يحتاج إلى محاسبة، سيما أنه سبق لي أن واجهت الموقف ذاته في الحجارية بدوما، وامتنعت يومها عناصر الجيش الحر عن إطلاق النار أو الرد عليه بسبب وجود عناصر مدنية في الشارع.
فيما بعد سيبرر لي صديقي الناشط أن ما حدث هو خطأ سببه ضعف الخبرة، لأنها المرة الأولى التي تنزل فيها عناصر من الجيش الحر إلى كفرسوسة لحماية مظاهرة، وأن وجودها كان رمزياً فقط، وأنها انساقت للاستفزاز.
حمل المتظاهرون أحد العناصر المسلحة على أكتافهم وشرعوا ينسحبون كجماعة، وأوحت لي غريزتي أن أنسحب أيضاً لأن ما حدث سيتسبب بهجوم أمني واسع النطاق على المنطقة، وبالفعل اخترت، مع تزايد رشقات الرصاص، أن أخفي الكاميرا في جيبي وأتجه في طريق مستقل من خلف الجامع، لأكتشف أنني وصلت إلى طريق مسدود بحائط، اضطررت للقفز فوقه بمساعدة فارٍّ آخر، الوحيد الذي وافق اختياره اختياري، ووجدت نفسي في الحقول بين أشجار الزيتون والطرق الإسفلتية شبه الخاوية، ورحت أتباعد عن أصوات إطلاق الرصاص الذي أصبح متواصلاً تقريباً، بينما يتصاعد إحساسي بألم السقطة في كتفي.
أخرجت هاتفي المحمول واتصلت بالناشط، سألني أين أنت؟ هل تستطيع القدوم إلى منزلي؟ هناك، كان المنزل تحول إلى مشفى ميداني، نحو أربعة جرحى ممددين في الغرفة وثلاثة أطباء يجرون لهم عمليات جراحية، أخرجت من جديد صديقتي اللدودة، عيني الثالثة، الكاميرا، لأتبعها في رحلة جديدة، ولأكتشف معها نكهة أخرى.

اشتباكات بين الثوار وكتائب الأسد في شارع جانبي في كفر سوسة

التظاهرات في كفر سوسة تخرج بعد صلاة الجمعة

ثوار كفر سوسة يتجمعون للخروج في تظاهرة ضد النظام (الشرق)

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٣) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٥-٠٥-٢٠١٢)