استغلال خاطئ للدين و"فيتو" حتى إشعار آخر

الخصوصية.. تسوير معيق وتكريس للانغلاق

183906.jpg
طباعة التعليقات

الرياضحسنة القرني

الخضري: اللجوء للجنس في الرواية أحد إفرازات الخصوصية
العتيبي: الخصوصية ساهمت في زيادة معدلات العنف ضد المرأة
السبيعي: الخصوصية أفقدتنا المقدرة على التفكير الإبداعي

استطاع مصطلح “الخصوصية السعودية” بمعانيه المتعددة، أن يثير جدلا واسعا في السعودية حول ماهية استخدامه، باعتباره من أكثر المصطلحات (المطاطية) التي يتعامل بها أفراد المجتمع السعودي صغارا وكبارا، نساء ورجالا. ففي حين يرى البعض أنه حجر عثرة يضعه البعض بهدف عرقلة التطور والانفتاح، لا يزال البعض الآخر يرى أهمية جدواه مع ضرورة تطويره، فيما أكد آخرون على كونه المصطلح السحري القادر على حماية المجتمع من مواجهة المشكلات.

تبرير العنف

قالت الأكاديمية والمستشارة الاجتماعية والأسرية نورة بشير العتيبي: في البداية يجب معرفة هذا المصطلح فالخصوصية السعوديّة “عبارة عن مجموعة من الخصائص والسمات التي تدل على المجتمع السعودي، وتتكون من منظومة من القيم والعادات والتقاليد التي ترتبط بمسألة الثقافة”. ويعمل هذا المصطلح -بحسب العتيبي- على “تسيير المجتمع والتحكم به بطريقة مباشرة وغير مباشرة”. وتضيف متأسفة “لذا نجد من الشائع على ألسن كثير من أفراد المجتمع قول (هذا ديننا وتلك عادتنا وهذا هو موروثنا الفكري، دون فهم أو تحقق للأسف من المسألة أو الرجوع لنص شرعي).

نتائج سالبة

وحول النتائج المترتبة على ذلك أكدت العتيبي على أن “المجتمع أضحى بفعل هذه الخصوصية مجتمعا منغلقا يرفض التغيير والانفتاح، وذلك لأن السلوك العام في المجتمع ينبني ويتشكل على هذه الخصوصية ويستمد طريقة حياته منها، وهذا للأسف ساهم في اضطهاد المرأة وزيادة معدلات العنف، بالإضافة إلى تخليد مفهوم العيب وتكريس ثقافة الخوف لا سيما في الأوساط النسائية في مقابل الصحوة المعاشة لديهن الآن، فالنساء لدينا في السعودية على قدر عالٍ من الوعي بحقوقهن ولكنهن يقعن ضحايا لمفاهيم الخصوصية، فالزوجة على سبيل المثال عندما يقوم زوجها بابتزازها وتصمت هي بلا شك ليست جاهلة بحقوقها لكنها تقع ضحية لمفهوم الخصوصية السعودية؛ لأنها تخشى من ردة فعل المجتمع وماذا سيقال عنها إن هي قامت برفع شكوى قضائية عليه”.

إلغاؤها ليس حلاً

وأكدت العتيبي أن إلغاء هذه الخصوصية أمر ليس وارداً، ولا يمكن أن يعتبر حلاً اجتماعياً، وقالت: “لابد أن نخفف من هذه الخصوصية ولا نسعى إلى إلغائها مع ضرورة العمل على تطويرها لعدم مناسبتها للعصر الذي نعيشه، فعصرنا الحاضر شهد عدداً من المتغيرات لم نستطع مواكبتها حتى الآن وذلك بسبب ما سميناه خصوصية لكن في المقابل علينا أن نتأكد أن لكل مجتمع في هذه الدنيا خصوصية فضلاً على أنه يدين بالله، لكن ليس هناك مجتمع أغلق على نفسه الباب -على الرغم من أنه يدين بالإسلام دين الانفتاح على الآخر- سوى مجتمعنا! وكل ذلك بسبب تكريس بعض العادات والتقاليد والقيم الخاطئة، فلابد من العمل على تغيير العادات الخاطئة في المجتمع وفق تعاليم ديننا السمحة”.

جدار معيق

فيما قالت الأكاديمية الأستاذ المساعد في الإرشاد النفسي الدكتورة سلمى السبيعي “بالنسبة للخصوصية السعودية، لدينا خصوصية دينية قائمة على تطبيق شرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن في السعودية مؤمنين بها ونعمل على الحفاظ عليها كما نعمل على استمرارها” وأضافت السبيعي: لكن علينا أن ندرك أنّ ثقافة المجتمع ليست ثقافة واحدة فمجتمعنا متعدد الأطياف، وبه أنماط ثقافية متنوعة، وربما عدم إحسان التعامل مع هذا التنوع يسفر عن اضطرابها، بحيث لا تأخذ شكلا واحدا أو نمطا واضحا ما يعني أننا لا نملك خصوصية واضحة المعالم! ولكنني بصفة عامة أستطيع القول إننا كمجتمع سعودي نتبنى خصوصية واحدة متعلقة بالدين، وما عداه فهو ثقافات وإرث يأتي تحت مسمى (الخصوصية) وهي من شأنها -في تصوري الشخصي- أن تعمل على إعاقة حراك المجتمع نحو التطور والانفتاح على الآخر بل إنها في بعض الأحيان تقف كسور معيق يقيمه البعض حتى يمنع حركة التطور والانفتاح مع ثقافة الآخر”.
وحول دلالة استخدامنا لمصطلح الخصوصية أوضحت السبيعي “أننا كلما واجهتنا مشكلة لم نستطع أن نواجهها أو خفنا مما قد يترتب عليها هربنا إلى المصطلح، أي أصبحت الخصوصية كملجأ حصين”.

حذر وتقليد وعدم فاعلية

وعن آثار وأبعاد التمحور حول مصطلح الخصوصيّة على الصحة النفسية أكدت السبيعي “لهذا التمحور أثر بالغ السوء على سلوك الشباب، لأنه ألغى لديهم عملية التفكير وألغى مفهوم الانفتاح، بالإضافة إلى أنه ألغى فكرة تقبل الآخر، لقد أصبح الشباب، والإنسان السعودي عموماً، رجلاً أو امرأة، بشكل عام حذر، بطريقة غير منتجة وغير فاعلة، بحيث اقتصرنا على أخذ الأفكار من الأهل دون تجاوز ذلك لما هو أفضل، كما لم يعد لدينا في السعودية بشكل عام القدرة على الإقدام ومحاولة كسر الحواجز للالتقاء بالآخر، كما فقدنا -وبسبب الخصوصية أيضا- القدرة على التفكير بشكل منطقي، لقد أصبحنا مقلدين أكثر من كوننا مبدعين وبهذا قتلت فينا القدرة على الإنتاج الجيد ولم يعد لدينا منتج فكري معرفي صحيح مع ملاحظة أن الدين الإسلامي والشريعة السمحة لا تتعارض مع الفكر الإبداعي فالدين لا يعرقل الفكر الإبداعي والمعرفي الصحيح كما أنه يواكب العصر، وأتمنى أن يفهم الدين الإسلامي بشكل صحيح، ولابد أن يكون لدينا قناعة أن الانفتاح على الآخر لا يتعارض مع الدين الإسلامي، لأنه دين عالمي قادر على الاستمرار حتى يرث الله الأرض. وخلاصة القول لابد من إعادة أسلوب التفكير بما لا ينافي الدين الإٍسلامي السمح”.

الكتابة الإبداعية

خالد الخضري

من جانبه، حمل الروائي والقاص خالد الخضري مفهوم الخصوصية مسؤولية الاحتفاء بالأعمال الركيكة، لا سيما العامية منها؛ حيث قال “الخصوصية – للأسف – جعلتنا نحتفي بأسماء لا علاقة لها بالعمل الإبداعي بل إنها تكتب في أحيان كثيرة بالعامية وكل ما فعلته أنها كتبت في أمور تتعارض مع الخصوصية السعودية بحثاً عن الشهرة؛ بحيث أصبح الجنس بقضاياه الساخنة محور كثير من الأعمال السعودية، وأنا هنا لست ضد طرح قضايا الجنس فهي جزء من قضايا المجتمع لكنني أرى أنها أثرت بشكل أو بآخر على عرض القضايا الإنسانية التي تتعلق بحقوق الإنسان كقضايا الاضطهاد والعنف الأسري والقضايا الحقوقية المتعلقة بالمرأة ولا أزال أتمنى أن يتجاوز الإبداع تابو الجنس إلى قضايا أخطر، لهذا أنا ضد فكرة الخصوصية التي أفرزت هذا النوع من الكتابات؛ لأننا متى استطعنا أن نتجاوزها سوف نتناول قضايا الإنسانية البحتة”.

تباين في الاستخدام

أحمد المالكي

يقول المواطن أحمد المالكي إنه لا يستخدم هذا المصطلح مطلقا، وقال “ليس من الضروري أن أستخدمه لأنه منتشر في المجتمع ويشيع استخدامه بشكل واسع”، وعبرت نورة السلمان عن استخدامها لهذا المصطلح بقولها “أستخدمه لكن ليس على هذا النحو، فأنا عندما أقبل بشيء معين أقول: (لأن عادتنا تتقبل هذا) وعندما أرفض شيئاً أقول (لأن تقاليدنا -وأحيانا ديننا- يرفض هذا) لكنني لا أستخدم كلمة خصوصية سعودية على وجه التحديد، وبصراحة أشعر بأنه مصطلح إعلامي فقط”.
فيما عابت ليلى عبدالقادر على المجتمع استخدام هذا المصطلح بقولها “أي أمر لا نريده نقول خصوصية وأي شيء نخاف منه نقول خصوصية، وبعد سنوات نفعل ما قلنا! إنه عيب بسبب الخصوصية! هذا للأسف ما نفعله فليتنا نلتفت لما هو أهم من ذلك ونرتقي كما يفعل غيرنا”.

مجتمع الخصوصية .. مبادئ وتناقضات!

مسفر القحطاني

عن بعض مظاهر التناقض بين القيم والمبادئ والواقع المعاش، وبعض الجوانب السلبيّة كما تظهرها الخصوصيّة يقول الشيخ الدكتور مسفر بن علي القحطاني رئيس قسم الدراسات الإسلامية والعربية بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن: “لكل مجتمع خصوصيته الثقافية والاجتماعية ولكنها صورة للمحافظة على الهوية التكاملية مع الغير وليست التباينية مع الجميع .. الخصوصية السعودية غالبا ما تكون ميزة نترفع بها دينيا عن بقية الناس كون السعودي اكثر محافظة على دينه، وهذا الأمر مكمن اعتزاز يزيد من تواضعنا ومسؤوليتنا وليس غرورا وتباهيا على الآخرين وكم أرى صورا مخالفة لهذه الخصوصية تضعنا في عكس الاتجاه مثلا مساجد المملكة تعتبر الاقل جمالا ونظافة لو قارناها بمساجد كثير من الدول التي نتهمها بالعلمانية كما أن قنواتنا الفنية المملوكة لسعوديين تعطي انطباعا مغايرا جدا لهذه الخصوصية أضف اليها صورة السائح المجاهر بالمخالفات وصاحب العمل المصادر لحقوق عماله والمسؤول الكاذب في وعوده والتاجر الأناني في تجارته ولو أضرت الصحة والبيئة.. للأسف السعودي اليوم في مجال المقارنة بالخدمات المقدمة للمواطن مع غيرها من الخدمات التي تقدم في دول أخرى يستشعر الغبن ويرى أن خصوصيته زادته تخلفا أن يسابق الامم الاخرى تقدما ونهوضا. فمن المعيب حضاريا أن تكون خصوصية المجتمع هي دفاع عن موروث متخلف او أعراف جاهلية
أو فساد إداري .. ومجتمعنا ولله الحمد يملك مقومات الريادة التي نستطيع من خلالها أن نكون رمزا للدين والمعرفة والتقدم.”

الدين ليس عائقاً أمام الإبداع

عازب بن سعيد آل مسبل

من جانبه استنكر عضو لجنة الشؤون الإسلامية والقضائية بمجلس الشورى الشيخ عازب بن سعيد آل مسبل من يعتبر الخصوصية السعودية عائقا أمام الإبداع مؤكدا على أن الدين الإسلامي هو الداعي لذلك بقوله “ لا أعتقد بأي حال من الأحوال أن الخصوصية تقف عائقا أمام الإبداع الذي دعا الإسلام إليه فهو دين يدعو إلى الأخذ بكل مفيد وجديد ويحرص على الالتزام بما أوحى به الله إلى نبيه محمد
- صلى الله عليه وسلم – فجعل في ذلك حدودا لا يصح لأي كائن من كان أن يتجاوزها لأن التشريع نزل من رب العباد على نبيه ليبلغه للناس وهذا دين الله باق إلى أن تقوم الساعة وهو يدعو إلى الأخذ من المفيد والجديد وليس عائقا بأي حال من الأحوال وما يفيد المجتمع من ناحية التقدم العلمي والتقني وما إلى ذلك “. مؤكدا أن الخصوصية لا توجد في أي بلد آخر غير المملكة العربية السعودية فهي تحتضن الحرمين الشريفين وهذا مما يعزز الخصوصية السعودية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٧٩) صفحة (١١) بتاريخ (٣١-٠٥-٢٠١٢)