أثار برنامج «الثامنة» الذي يقدمه الإعلامي داود الشريان في الحلقة التي بُثت الأسبوع الماضي بعنوان: «بطالة الشهادات العليا» ضجة لا تزال أصداؤها تتردد في المجالس وعبر الصحف والمواقع الإلكترونية وكأني بداود وغيره من المشاهدين والمشاهدات استغربوا ما سمعوه من مداخلات، واستغربوا أيضاً عدم قبول أبنائنا وبناتنا ضمن أعضاء هيئة التدريس في الجامعات السعودية سواء الجديدة منها أو القديمة.
الحال التي ظهرت أمام المشاهدين في تلك الحلقة هي حالنا منذ أمد بعيد، وخصوصاً في جامعاتنا الموقرة؛ لأن هوس التعاقد من الخارج استشرى فينا، وكأن شهادات أبنائنا وبناتنا لا ترقى إلى المستوى المأمول أمام المسؤولين عن القبول في تلك الجامعات، وشهادات غيرهم من الأجانب، هي الشهادات المعترف بها وهي التي يُبحث عنها وتشد الرحال إليها للتعاقد معهم، وصرف تكاليف وميزانيات كبيرة من أجل هذا التعاقد.
كتبت في مارس 2011م، مقالاً تحدثت فيه عن تقصير وزارة التعليم العالي في متابعة قبول أعضاء هيئة التدريس في جامعاتنا من الداخل، حتى إدارة الجامعات عبر عمادات أعضاء هيئة التدريس لا تتدخل في متابعة الأقسام سواء في قبول أو رفض أي متقدم لها، ومن ثَمَّ فإن التعيين يعتمد على المزاجية، وكذلك المحسوبيات والتكتلات تلعب دوراً مهماً في اختيار عضو هيئة التدريس الجديد الذي يريد الانضمام إلى القسم وهذه مشكلة أزلية لا زالت موجودة حتى الآن ويُتعامل بها في أغلب الأقسام.
الأمر الآخر وهو الانفتاح الشديد نحو التعاقد مع الأجانب سواء من الإخوة العرب أو غيرهم، فلماذا هذا التسابق على تلك التعاقدات؟ هل هو من أجل رفع رصيد الجامعة في التقييم العالي للجامعات؟ أو من أجل ماذا؟ هناك من يقول إن سبب فتح باب التعاقدات مع الخارج هو من أجل فتح المجال أمام المسؤولين في تلك الجامعات للسفر والاستفادة من الانتدابات وغيرها، وهناك من يذكر أن السبب هو محاولة الاستفادة من أولئك المتعاقدين في الجامعة في عدة مجالات متنوعة، ونحن استبشرنا خيراً عندما بُنيت جامعاتنا وكثُرت وأصبحت في أغلب المدن والمحافظات وأيقنا أن أغلب الحاصلين على الشهادات العليا من أبناءنا ومن جامعات معترف بها سوف يكونون من ضمن كوادر تلك الجامعات مهما كانت تخصصاتهم العلمية، إلا أننا تفاجأنا أن الأمر لم يتغير، وأن المشكلة ما زالت موجودة وما زلنا نعاني منها.
التعاقد من الخارج شيء مقبول لا بأس به ولكن حسب الحاجة إليه شريطة أن تكون تلك التعاقدات مع كفاءات من دول متقدمة جداً سبقتنا في مجالات وخبرات كثيرة لنستفيد من تجاربهم وخبراتهم التي اكتسبوها عبر ممارستهم لأعمالهم في بلدانهم لتطبيق تلك التجارب في رفع المستوى التعليمي لدى طلابنا وطالباتنا، وتكون مخرجاتنا ضمن المستوى المطلوب الذي نأمله جميعاً كمواطنين ودولة.
ولكن الشيء الذي ليس مقبولاً لا شكلاً ولا مضموناً هو أن جامعاتنا تتعاقد مع أعضاء هيئة تدريس في جامعات درّست أبناءنا وبناتنا دراسات عليا، وأشرف بعض أعضاء هيئة التدريس في تلك الجامعات على طلابنا وطالباتنا؛ ونالوا بذلك شهاداتهم العليا بجد ومثابرة، إلا أن الوزارة ترفض معادلة تلك الشهادات والاعتراف بها بحجة أن تلك الجامعات إما ضعيفة وإما غير معترف بها، وهذه من -وجهة نظري- ازدواجية في القرارات، فكيف تسمح الوزارة بتعاقد جامعاتنا مع أعضاء هيئة التدريس من تلك الجامعات؟ في الوقت نفسه ترفض اعتماد شهادات أولادنا الذين تخرجوا من تلك الجامعات وتسد أمامهم باب الالتحاق بالجامعات المناسبة لتخصصاتهم.
ختاماً نأمل من الوزارة البحث عن حلول لهذه المشكلة التي تؤرق أبناءنا حاملي الشهادات العليا سواء الذين حصلوا عليها من الداخل أو الخارج وأن تحث الجامعات وتوجهها بقبول جميع أبناء الوطن وبناته ليتسنى لهم خدمة دينهم ووطنهم وإلا سوف تبقى تلك الشهادات العليا التي حصلوا عليها حبراً على ورق.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧) صفحة (١٤) بتاريخ (٠٨-٠٦-٢٠١٢)