عادت مصر إلى واجهة الحدث الأبرز في المنطقة، رغم حمام الدم السوري الذي يوشك أن يحرق المنطقة بشظايا أجساد الضحايا المتطايرة بسبب جنون العنف والعنف المضاد. المشهد المصري يعود بقوة هذه المرة لسببين: الأول والأبرز نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية التي فاجأت فئات كبيرة من الشعب المصري بوصول أحمد شفيق أخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك ألى الجولة الثانية إلى جانب مرشح الإخوان المسلمين محمد مرسي. والسبب الثاني تداعيات الاحكام الصادرة ضد مبارك ونجليه علاء وجمال ووزير داخليته حبيب العادلي وستة من القيادات الأمنية الكبيرة، حيث برات المحكمة الابنين والقيادات الستة، بينما حكمت بالمؤبد على مبارك والعادلي، مما أثار غضب الشارع.
في السبب الأول، وحيث تتمتع مصر بموقعها الجيوستراتيجي، فإن عيون العرب من المحيط إلى الخليج تركز هذه الأيام على الجولة الثانية من الانتخابات، رغم أنها شأن داخلي يخص المصريين وحدهم باعتبارهم هم من سيقف في طابور الانتظار ويرمي بأوراق الاقتراع في الصناديق البلاستيكية يوم السادس عشر والسابع عشر من يونيو الجاري. العيون المشدودة بسبب التاثير الكبير الذي ستحدثه نتائج هذه الانتخابات التي ستفرز رئيسا لجمهورية مصر العربية من اثنين: شفيق الذي يعتبره أنصاره صمام أمان الدولة المدنية وحائط صد في وجه الدولة الدينية الطائفية، فيما يصفه خصومه أنه من فلول النظام السابق والمسؤول عن «واقعة الجمل» التي سقط فيها عشرات من القتلى والجرحى. ومحمد مرسي القادم من تربية إخوانية رشح نفسه احتياطا لكي لايفقد الإخوان موقعهم التنافسي في حال شطب المرشح الأصلي.. وهكذا كان وتحول الفرع إلى أصل وتقدم مرسي الصفوف ليفوز بأعلى الأصوات رغم أنها لم تسعفه للحسم من الجولة الأولى، حيث حصد نحو ربع أصوات الناخبين وتلاه شفيق بنسبة مقاربة. أنصار المرشح الإخواني يجدونه منقذا ومخلصا لمصر وشعبها الذي عانى لعقود طويلة من الفساد الإداري والمالي ومن انعدام استراتيجيات التنمية، حتى بلغت البطالة والفقر والعوز نسبا كبيرة اسهمت في تفجير ثورة الخامس والعشرين من يناير وانتصارها وهي تهدد الآن الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي.
يحسب للمرشح الرئاسي محمد مرسي أنه محسوب على المعارضة التاريخية للنظم السياسية التي مرت على مصر وحكوماتها، وتعرض تياره لمضايقات وسجن وتنكيل منذ ثورة يوليو 1952. ويعتقد أنصار هذا التيار أنهم أحق بكرسي الرئاسة، خصوصا أن صناديق اقتراع الانتخابات النيابية أبرزته كأكبر قوة سياسية في الشارع المصري بعد إزاحة الحزب الوطني من الواجهة السياسية. وفي المقلب الأخر يرى أحمد شفيق وأنصاره أن الإخوان المسلمين يشكلون خطرا على مصر بسبب «غرقهم» في الإيديولوجيا رغم بعض التصريحات التي طمأنت بعضهم ولم تقنع البعض الآخر في الشارع المصري، وهو الأمر الذي حدا بالمرشح الرئاسي حمدين صباحي الذي جاء ثالثا والدكتور أبو الفتوح الذي تبوأ المركز الرابع في الانتخابات الرئاسية، الدخول فيما يشبه المفاوضات المضنية لانتزاع تنازلات جدية من مرسي لصالح الدولة المدنية الديمقراطية والتعهد بعدم احتكار السلطة في مستوياتها الرئاسية والتشريعية والتنفيذية. فوق كل ذلك تجرأ شفيق على اتهام الإخوان المسلمين أنهم كانو يعقدون الصفقات «من تحت الطاولة» مع النظام السابق، وحدد شفيق انتخابات 2005 فقال عنها إن الإخوان عقدوا فيها صفقة مع النظام على 88 مقعدا في مجلس الشعب، واكملوها في انتخابات 2010 بالاتفاق مع رئيس جهاز أمن الدولة المحبوس حسن عبدالرحمن يقضي بإبعاد الإخوان عن دوائر يقودها رموز نظام مبارك. وزاد شفيق في الاتهامات عندما وصف الإخوان بأنهم يمارسون إرهاب ضد المواطنين، وإنهم باعوا دماء الشهداء بقبولهم الدية بدلا من محاسبة القتلة. إرهاصات الوضع المصري سوف تنعكس بلا شك على المحيط العربي، حيث ملايين المصريين يعملون في منطقة الخليج العربي، وأي مرشح يقفز إلى سدة الرئاسة سوف يشكل حالته الإقليمية، وما يجري في القاهرة سيصل صداه إلى العواصم القريبة ومنها العواصم الخليجية. والعنصر المهم أيضا يتمثل في واقع الاقتصاد المصري الذي لم يقلع بعد من عثراته التي كانت تتفاعل أيام النظام السابق التي كانت مرحلة بيع القطاع العام واحدة من مفاصلها، وزادت أوضاعه تعقيدا مع تأخر المرحلة الانتقالية بعد الثورة التي أنهكت المواطن العادي وزجت الألاف في طوابير البطالة، خصوصا مع بقاء مفاصل الاقتصاد في قبضة رجالات العهد السابق.
ربما تعيش فئات كبيرة من الشعب المصري حالة من التيه عند المفاضلة بين الدولة المدنية والدولة الدينية، ويحشر الكثيرون بين ناري أحد المرشحين. لكن إذا كان محمد مرسي مرشح الإخوان يعبر عن الدولة الدينية، فهل يعبر أحمد شفيق عن الدولة المدنية؟
سؤال برسم المصريين الذين سيقفون في الطابور تسعة أيام ليحددوا ملامح المنطقة العربية بانتخابهم رئيسا للجمهورية لأول مرة منذ خمسة ألاف سنة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٧) صفحة (١٥) بتاريخ (٠٨-٠٦-٢٠١٢)