كان القطاع الخاص، ومعه القطاع العام، يتهربان من توظيف كثير من الخريجين خلال العقدين الماضيين. وكانت الحجة الواقعية التي يعرضانها هي أن سوق العمل في حاجة إلى وظائف غير الوظائف التي يقدمها كثير من الخريجين. وإلى حدّ ما؛ كان القطاعان محقّين، إذ لا أحد يوظف خريج جغرافيا على وظيفة «مسّاح فني»، ولا خريجة نبات على وظيفة معلمة لغة عربية.
خلال ربع القرن الماضي وقع التعليم العالي في مأزق التخصصات النظرية، وفي ضوء معطيات بداية الثمانينيات الميلادية التي كان فيها كثير من الوظائف الحكومية والأهلية مشغولاً بإخواننا العرب المقيمين. وحين تخطينا حاجز الألفية وجدنا مؤسساتنا الأكاديمية تزوّد السوق بمن لا يحتاج إلى خدماتهم فعلياً، وفي الوقت التي راحت قوافل الخريجين تتدفق على الشارع؛ ضيّقت أسواق العمل أبوابها بعد اكتفائها بمن لديها.
وحين وُلد برنامج الابتعاث على يد خادم الحرمين الشريفين؛ فإنه حرص على حاجة سوق العمل، وحاجة المستقبل، خاصة لذوي التخصصات العلمية التطبيقية والحقول المعرفية المطلوبة، وسخّرت الدولة جزءاً هائلاً من إمكانياتها المادية لإرسال أبنائنا وبناتها إلى دول متقدمة ليدرسوا ما يحتاجه وطنهم من مهارات ومهن تساعد على استمرار البناء والنماء. وحين احتفلت وزارة التعليم العالي قبيل أيام بتخريج 5900 سعودي وسعودية من المبتعثين؛ فإنها كشفت عن وجود 5000 وظيفة لهؤلاء العائدين مسلحين بالعلم والمعرفة الحديثة.
ولكنّ الوزارة لم تتحدث عن مصيرا لـ 900 مبتعث ومبتعثة. وقد لا يكون ذلك حصراً في مسؤوليات وزارة التعليم العالي وحدها، فهناك وزارات ومؤسسات حكومية، إلى جانب مؤسسات خاصة، عليها تحمّل المسؤولية الوطنية إزاء المبتعثين الذين بذلت الدولة لتعليمهم أموالاً وسخرت جهوداً وجنّدت قدرات وقنوات دبلوماسية متعددة.
وزارة الخدمة المدنية ووزارة العمل ومعهما وزارة التعليم العالي عليها مسؤوليات جسيمة لاستكمال المشروع الوطني المتمثل في تمكين العائدين من الدول المتقدمة ليُسهموا في تقدّم البلاد. وميادين العمل وافرة في القطاعين العام والخاص، والمعارف التي عاد بها السعوديون الشباب تمثّل أحدث ما تعلمه جامعات العالم الحديث. وحتى لا يقع الشباب والشابات في مأزق مماثل لمأزق خريجي التخصصات النظرية؛ فإن المرحلة المقبلة تمثل تحدياً جدياً للمشاركة الفاعلة بين الوزارات المعنية باستيعاب العائدين من الخارج.
القيادة السياسية في البلاد قدّمت إمكانيات البلاد بسخاء غير مسبوق، وساندت الطامحين إلى أقصى مدىً ممكن منذ تأسيس هذه البلاد على يد الملك عبدالعزيز رحمه الله. ودفعت بالشباب ليتصلوا بالمعارف الحديثة في أرقى الدول تقدماً. وعلينا أن نستفيد من عقولهم بمرونة وسرعة، حتى لا تكون العقبات أمامهم سبباً في خسارتنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٨٩) صفحة (١٧) بتاريخ (١٠-٠٦-٢٠١٢)