بصدور حكمي المحكمة الدستورية العليا في مصر بحل البرلمان ذي الأغلبية الإسلامية وتمكين المرشح الرئاسي أحمد شفيق من خوض جولة الإعادة في الانتخابات الرئاسية، يبدو المشهد السياسي المصري أكثر سخونة من أي وقتٍ مضى، خصوصاً مع تزايد دعوات مقاطعة الإعادة وعدم الاعتراف بالمرحلة الانتقالية التي بدأت قبل عام ٍ ونصف العام وقاربت على الانتهاء.
الآن يقف المصريون على مفترق طرق وأمامهم خياران، إما استكمال المرحلة الانتقالية حتى نهايتها بالاحتكام إلى جولة الإعادة أو رفض كل هذا والنزول إلى الميادين مرة أخرى، وفي ظل الظرف الحالي تبدو أغلب الحركات السياسية الثورية متقبلة للخيار الثاني اعتراضاً على حكم المحكمة الدستورية بالسماح لآخر رئيس وزراء في عهد مبارك بخوض الاستحقاق الرئاسي، غير أن هذا الخيار قد يؤدي إلى عواقب وخيمة أولها أن تسير الدولة بمؤسساتها في اتجاه فيما يسير الثوار في اتجاه ٍ آخر يرضي طموحاتهم لكنه لن يغير من الواقع شيئاً، والواقع هنا أن الجيش سيسلم السلطة للرئيس المنتخب حتى لو كان شفيق، تمسكاً منه بما سيفرزه الاقتراع الحر المباشر.
هذا الارتباك السياسي الذي أصاب المرحلة الانتقالية في نهايتها لا ينبغي أن يخفي حقيقة هامة، وهي أن العزوف عن المشاركة في الانتخابات صار نوعاً من الرفاهية السياسية، قد ترضي أصحابها وتتوافق مع رؤيتهم وإن كانت غير ذي جدوى دستورياً وسياسياً، وهو ما يعني أن المشاركة في جولة الإعادة تزداد قيمة حتى يتمكن الناخبون من الانتصار لاختيارهم خصوصاً وأن الجيش المصري أدار الجولة الأولى من الانتخابات بحيادية شَهِدَت بها منظمات محلية وعالمية على رأسها جامعة الدول العربية.
إذا أراد ثوار مصر بناء جمهورية ثانية فعليهم الامتثال لأحكام أعلى هيئة دستورية في البلاد والذهاب غداً وبعد غدٍ إلى صناديق الاقتراع بكثافة لتطبيق العزل السياسي دون قوانين أو أحكام قضائية، على أن تتاح الفرصة أمام أنصار شفيق للتعبير عن رغبتهم، ولتكن كلمة الناخب في النهاية حكَماً بين أطراف المشهد طالما اتفقت فيما بينها على انعدام احتمالات التزوير وعلى حيادية الهيئة المسؤولة عن إجراءات الانتخاب.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤) صفحة (١٣) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٢)