كأن مؤتمر أمن الخليج الذي عقد في العاصمة البحرينية المنامة يومي الثاني عشر والثالث عشر من الشهر الجاري، قد جاء موعده تزامنا مع الحالة الخليجية، عاكسا ومترجما وضع الأقليم الذي يواجه تحديات جمة ليس أقلها ضمور التنمية في منطقة متخمة بالثروة والعائدات الفلكية التي يسيل لها لعاب كل الدول وكل الشركات، ابتداء من شركات السلاح التي تسوق بضاعتها في المنطقة منذ عقود لتفوز بفرصة هنا أو عقد هناك، مرورا بشركات التكنولوجيا الرائجة هذه الأيام، وانتهاء بشركات توريد الأيدي العاملة إلى منطقة جاذبة بشكل كبير للعمالة الرخيصة غير المتعلمة وغير المدربة، فزادت أعدادها حتى أصبح المواطن الخليجي أقلية في أغلب بلدانه.
في الخطاب الافتتاحي تحدث رئيس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والطاقة الدكتور محمد عبدالغفار، وهو المركز المنظم لهذه التظاهرة الأمنية بالتعاون مع معهد «روسي» البريطاني.
قال عبدالغفار، إن المنطقة بحاجة إلى رؤية جديدة تضع من خلالها استراتيجيات متطورة تتواكب مع متطلبات التنمية لتفادي أزمات محدقة ببلدان الخليج العربي، بينما تحدث الذين أعقبوه عن الوضع الأمني الضاغط على بلدان مجلس التعاون التي تواجه استحقاقات إقليمية مفصلية في اليمن وسورية والعراق وإيران، ونزع المتحدثون الخليجيون إلى زيادة جرعة الهاجس الأمني أكثر من غيرهم من المتحدثين ومن بينهم الأمريكان، وهذا أمر يعكس القلق البالغ في أروقة صناعة القرار في المنطقة.
وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد آل خليفة أعلن عن خسائر دول التعاون في الحرب العراقية الإيرانية وحرب الخليج الثانية وحددها بنحو 112 مليار دولار أمريكي. وهو رقم رغم ضخامته إلا أنه متواضع أمام الخسائر المباشرة التي منيت بها كل من العراق وإيران في حرب عبثية دامت نحو سبع سنوات عجاف أتت على الأخضر واليابس في البلدين وزادت خسائرها المباشرة على مائتي مليار دولار، فضلا عن الخسائر البشرية التي بلغت أكثر من نصف مليون شخص والخسائر غير المباشرة على الاقتصاد والتداعيات التي خلفتها الحرب على النسيج المجتمعي، ليس في البلدين فحسب، إنما على مستوى المنطقة الخليجية أيضا.
أما أمين عام مجلس التعاون الخليجي السيد عبداللطيف الزياني، فقد كان خطابه محملاً بهواجس كبرى امتدت من التهديد الإسرائيلي الذي ساواه بالخطر الإيراني، إلى خطر التطرف الديني والمذهبي.
ولم تبتعد وزيرة الدولة لشئون الإعلام سميرة رجب عن هذه الأجواء رغم حديثها في الجانب الإعلامي.
الخطاب الخليجي في المؤتمر اتسم بالقلق والهواجس المركبة من الداخل الخليجي ومن دول الإقليم المجاورة وخصوصا إيران التي تعمل على أكثر من ملف في آن واحد.
فهي تشتغل على مفردات دقيقة في مفاوضاتها مع الدول الكبرى حول ملفها النووي الذي تريده أن يرى النور لتتساوى مع دول إقليمية مثل الكيان الصهيوني وباكستان، وفي ذات الوقت ترى طهران في التهديدات الإسرائيلية ضربة قاصمة لبرنامجها النووي برمته بما فيه الجانب المدني- السلمي، وتحديدا في توفير الطاقة الكهربائية، حيث تعاني طهران من أزمة في هذا المجال يمكن لبرنامج سلمي أن يحل جزءا مهما منها.
لكن هذا البرنامج تسبب، فوق ما تسببته الحروب والتوترات السابقة، في تمديد الحصار الدولي الذي بدأ مع اندلاع الحرب مع العراق وأوجد معطيات سلبية بالنسبة للمواطن الإيراني الذي تتراجع قدرته الشرائية وتزيد نسبة البطالة إلى نحو 50 بالمئة بين الشباب، بينما تقدر الإحصاءات الرسمية أنها تحوم حول 12.5 بالمئة في المدن ونحو 30 بالمئة في الريف.
كما يتوسع الفقر ليشمل فئات عليا من الطبقة الوسطى، الأمر الذي ينذر بوضع غير مستقر في الداخل الإيراني سيؤثر بلاشك على الوضع الداخلي في بلدان دول مجلس التعاون الخليجي.
إيران ليست هي الهاجس الخليجي الوحيد، رغم أنها الهاجس الأكبر، فتعثر التنمية المستدامة في الدول الست، رغم وفورات العائدات النفطية، يشكل قلقاً بالغاً على واقع ومستقبل دول التعاون، وذلك نظرا لما يشكله الاقتصاد المحلي في هذه الدول من تحديات تصل إلى العجز في إحداث ثغرات حقيقية وجدية في جدار الاقتصاد الأحادي المصدر.
وهو أمر يؤدي بطبيعة الحال إلى زيادة نسب البطالة التي بدأت تتدحرج ككرة الثلج في أكثر من عاصمة وسوف تزداد مع وجود عشرات الآلاف من خريجي هذا العام من مدارس الثانوية العامة في طابور الباحثين عن العمل.
ومع أن دول مجلس التعاون الخليجي ترصد لأمنها عشرات المليارات من الدولارات سنوياً، إلا أنها لاتزال تعاني من عدم القدرة على الوصول إلى المعلومة الحقيقية التي من شأنها الوصول إلى معادلة تحقق الأمن الداخلي والاستقرار الاجتماعي، بيد أنها تلجأ إلى النظرية التقليدية في الأمن، وهي نظرية نسختها الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان والديمقراطية وحقوق العمالة المهاجرة التي يبدو أنها ستثار في قادم الأيام وعلى دول مجلس التعاون التحضير لمواجهة أزمة من طراز جديد تؤثر على أمنها الداخلي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤) صفحة (١٥) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٢)