يشغلني وربما الكثيرين من المتابعين للحراك الفكري داخل مجتمعنا سؤال جذري: هل التيارات الفكرية السعودية تمثل وتعبر عن كل شرائح المجتمع واتجاهاته؟ هنا تأخذني الإجابات المفترضة إلى خيارين لا ثالث لهما! أولهما: إذا كانت الإجابة بنعم فهذا يعني أن المجتمع السعودي مختلف عن كل المجتمعات الإنسانية الأخرى في العالم، وهو الوحيد الذي ينخرط جميع مواطنيه ضمن تيارات فكرية؛ وهذه الإجابة مستحيلة، ويرفضها العقل والواقع، والإجابة الأخرى، وهي ليس كل المجتمع مهتماً أو منخرطاً في مشروعات فكرية أو ثقافية محددة وملتزماً بقواعد ومنطلقات التيارات والأطياف التي نراها في مشهدنا الثقافي اليوم، فالإجابة الأخيرة أجدها هي الأقرب إلى الحقيقة، ويدعمها الواقع وسنة الكون، وأنا لا أخفي انحيازي لها، ولكن هذا يقودني إلى سؤال آخر أكثر تعقيداّ: إذن أين هم هؤلاء الذين لا ينتمون إلى التيارات والنخب القائمة؟ ومن هم؟ وكيف يمكن أن يُعبروا عن آرائهم ومواقفهم؟!
هنا تتضح الصورة -وتأتي الإجابة بدلاً من أن أبحث عنها- إنهم الأغلبية الصامتة!
والمقصود بمصطلح الأغلبية الصامتة: هم الذين لا يمثلون إلا أنفسهم، ولا يحبذون المشاركات والظهور في الإعلام؛ وهؤلاء هم السواد الأعظم من المثقفين والمفكرين الموجودين في مجتمعنا، والذين يشغلون جزءاً كبيراً في عملية التنمية والبناء في بلادنا؛ فهمومهم وتطلعاتهم تعتمد على المساهمة والعمل على تحقيق أحلامهم برؤية بلدهم ومجتمعهم يتقدم ويتطور، إنهم يعملون بأعلى درجات الإنتاجية وبصمت، والصمت هنا يقصد به «بلا ضجيج» أو «تشنجات» أو «تجاذبات»، ورهاناتهم واضحة وجلية، وهي تنحصر في التعويل على الدولة فقط، وليس على مشروع تياري ضيق لا يراعي إلا أولوياته هو ويتجاهل الآخرين وأولوياتهم.
فعلاً هؤلاء هم الأغلبية الصامتة في مجتمعنا، الذين يقدمون مساهمات وطنية وفكرية قيِّمة تستحق أن تُمثل الجهد الشعبي في تعضيد مشروعات الدولة ومواقفها، وموقفهم يرتكز على إلزامية نشوء المشروعات من الدولة ذاتها، وبمشاركة واسعة من الجميع؛ لأنه لا يمكن لتلك التيارات أياًّ كان جدوى أُطروحاتها أن تكون هي المشروع الرسمي للمجتمع.
وعادة ما تميل هذه الأغلبية الصامتة إلى الركون والهدوء، ولا تستهوي التصادمات والتجاذبات والاختلافات الفكرية، فَتُحبذ أن تكون بعيدة عن تلك التصادمات؛ لأن هذا الأمر لا يكون ضمن منهجياتها أو أفكارها أو أولوياتها.
ولكن من يحاول استنطاق الأغلبية الصامتة؟ هل هم أنفسهم أم المؤسسات الفكرية والثقافية؟
من هنا نؤكد أهمية تعبير تلك الفئة عن نفسها ورؤاها من خلال الظهور والمشاركة في الحوارات سواء كانت تلك الحوارات عبر الفضائيات أو من خلال اللقاءات أو الندوات؛ لأن أُطروحاتها سوف تضفي على الساحة الفكرية التوازن الفعلي في مشهدنا الثقافي، وتخفف من الحدة والإقصاء اللذين أصابا بعض نخب تلك التيارات فيما بينها، وتوجه الأغلبية الصامتة وتبنيها لأغلب القضايا المهمة ومناقشتها سوف يدفعنا إلى الوسطية والاعتدال والشفافية، من خلال تلك الأطروحات والردود الهادفة والبنّاءة، ومن هنا يبرز دورها وأهميتها على الساحة الفكرية، وخصوصاً في مثل هذه الأيام التي تموج بصراعات سياسية وفكرية في كل مكان، ونحتاج إلى أن نكون متلاحمين ومترابطين فيما بيننا بمختلف توجهاتنا الفكرية والمذهبية، وأن ننبذ التعصب والتشنج فيما بيننا.
وختاماً نقول: إن جميع الدول والمجتمعات تعتمد على هذه الأغلبية الصامتة في البناء والتحديث والمشاركة العامة، وكذلك إيجاد التوازنات التي تضمن عدم انزلاق المجتمع إلى أحادية الرؤية التي تقود الى التشظي والانقسام بين أفراد المجتمع، فهل نجد سبيلاً نحو تعميق هذا الطيف الواسع والعمل المشترك معه من خلال مؤسسات الدولة ومنابر المجتمع، مع التذكير أن الرهان على الأغلبية الصامتة هو خيار كل المجتمعات من قبلنا؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤) صفحة (١٤) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٢)