شجرة

199851.jpg
طباعة التعليقات

أحمد الملا – السعودية
رسم: كاميل بيسارو 

لم يشعله حلم ولا يقظة وفيما عدا الشمعة تنهر فكرة المرايا، لم يعد من هجرتها برائحة أليفة. رمّلته الشجرة في ذهابها. شجرة أخرجته حافياً آخر الليل. وفي لهفته تساقطت من ثيابه كلمات ومياه وتملكته صفارة الإسعاف واعتصرت طينة قلبه.
وما إن فاضت يداه واستيقظت بئره على هبوطها حتى تساقط ريش وجفت خطى ظنها ترد بعد قليل. شجرة مثلما حطت فجأة تطاير ورقها ولم يسمع الطلقة، لكنه استدل على البارود من تمزق خرقة صدره. من حواف مسودة وساخنة، من رائحة شواء، ناره غامضة. وقبيل قبة الألم تلفتت تبحث على أي صدر ترفرف زرقة الوجع وأي مريد تدل عليه لفحة من هباب ورماد يلوب في ريحه.

تلك الشجرة

مسرعة في وجيب الغصن وخريف النائحات، عجلة تمحو سقم الورد وتواسي الذابل تحت الأعمدة وتسقي سراب الفخار كي لا تتكسر الرغبات. شجرة تبعها المطر دونما دليل وفي غفلة من الغيم سجد. شجرة تدخل المزارات فيلتهب الدعاء وتشف ابتهالات الأضرحة، تتلامع الأسقف وكأن الذهب تذكر. زرقة الخرز ونفث التعاويذ وتمتمات الحروز وجوامع الغفران؛ تعلقت بأغصانها كمناديل عشاق غائبين. تقشرت عباءتها في طريق يصقله العنبر ودخان دوخ الأرواح في صعودها.
شجرة تشبثت بها صلوات واستظلت. شجرة تنكست زهرتها على شهداء ضاقت بأسمائهم الشواهد. شجرة تنحل عند كل منعطف ويجرحها الزجاج حين يتطاير من كلام المكلومات وأنين جرحاهن. يمشي في حوزتها وراقون لم تشر لهم الحكمة برأسها بعد. ولأن الكتب بشرت بقدومها، سال صمغ وذابت حروف الباب وخرت الأسقف مرتين في ضحى وحيد. تقدمتها النذور بظلالها وتظافرت أرواح محمولة على أكتاف الأرامل. ولولا زوال الأعمدة وحيلة الشمس لامتلأت الجدران بدماء من انتقاهم القتل. ليست الورقة من تنادت في الظهيرة بأصفرها إنما كلمات الخطاطين في رجفة الوحي وأسرار الكلام.
كي تعود عليك أن تتوضأ في غار لم تطأه شمس، وبمطر لم يغرف منه جبل.
كي تعود عليك أن تعصب رأسك بدم عتيق وساخن، أن تطيل السجدة وفيما تسمع تكسر أضلاعك لا تقل للقدم: هوّني الوطءَ يا أُخَيَّة.
كي تعود عليك أن تبذل الرقبة في النطع وفي لهفة السيف لا تراودك جريرة العتق أبداً.
ليست وحدها من تخطفها الوجد واستجار بها الأولياء؛ تلك غابة تركع في حضرة الفأس، لم يعد من أغصانها نعش ولم تنطق بفراشة في وجه الريح.
كي تعود عليك أن تنذر يديك للفجر وأسمائه وتنثر قلبك لليأس في هيجان حمرته. وكل ما تبقى من متاع تفرق خمسه للعابرين دون أن يميزوك.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٤) صفحة (٣٣) بتاريخ (١٥-٠٦-٢٠١٢)