الحفاوة التي حظيت بها شخصية الراحل الأمير نايف بن عبدالعزيز، رحمه الله، على المستوى الدوليّ تمثّل مصداقاً واضحاً وجلياً لكثير من العناوين التي اتّسمت بها هذه الشخصية التاريخية في المحيط المحلي والإقليمي والدوليّ. من المؤكد أن عنوان مكافحة الإرهاب والتصدّي له لمع كثيراً في خطابات التعازي والتأبين التي تلقتها القيادة السعودية من الساسة والزعماء.
لكنّ العناوين التي حملتها شخصية الأمير الراحل أقدم وأبعد من مشروع التصدّي للإرهاب والإرهابيين. والمتابع للشأن السعودي يلحظ بتلقائية شديدة المشروع الأمني الذي هندسه الأمير نايف في البلاد السعودية وبناه، طيلة انشغاله وانهماكه في العمل الحكومي من خلال وزارة الداخلية. وحتى من قبل أن يكشف الإرهابيون عن أنيابهم ويتحوّلوا إلى أزمة دولية، كان الأمير نايف قد أنهى مشروع بناء القطاعات الأمنية السعودية وجعل منها منظومة واسعة متمكنة من ضبط الأمور في البلاد السعودية كافة.
كان، رحمه الله، مُدركاً للاحتياجات الوطنية الداخلة في قطاع الأمن العام، فوقف وراء بناء الأجهزة الأمنية الداخلية بقطاعاتها المتفرعة لتتحمّل مسؤولياتها المتكاملة كأجهزة مترابطة ومتلاحمة تحرس الأمن المدني والحدودي والمروري والصناعي والإداري، علاوة على الأجهزة الأخرى الداخلة في المنظومة الأمنية. وبهذا، فإن البُنية الأساسية للأمن تمّ استكمالها سعودياً في مرحلة مبكرة من وزارة الأمير الراحل.
ومثلما حظيت هذه القطاعات بالبناء المتوازن كأجهزة وتجهيزات طبقاً للاحتياجات الوطنية، فإن البناء شمل الكوادر ضباطاً وأفراداً لأداء مسؤوليات الأمن والسلامة على النحو الذي وضع رجل الأمن في مقدمة موظفي الدولة من حيث المزايا الوظيفية. وهذا يعني أن بناء الأجهزة، كمؤسسات، شمل الموارد البشرية في هذه الأجهزة على نحو تحقّق فيه مستوى من الدخل المادي المغري والرعاية الطبية والمميزات الإضافية التي يحلم بها الباحث عن وظيفة ممتازة.
ولذلك، حين كشف الإرهابيون عن نواياهم في بلادنا، فإن الأجهزة الأمنية كانت جاهزة للتصدّي للمشكلة جهوزية تأكدت لكلّ مراقب للشأن السعوديّ الأمني، خاصة فيما يخصّ ملفّ الإرهاب. لقد استكمل الأمير الراحل بناء مشروع الأمن على النحو الذي سهّل مهمات صعبة على الأجهزة الأمنية. وقدم الحلول الأمنية السعودية والحلول الاجتماعية والإعلامية معاً للتصدّي لمشكلة الإرهاب بالطريقة التي حجّمت نشاط ذوي النوايا السيئة إلى أدنى قدر، سواء على مستوى العمل الإرهابي الميداني أو الثقافي أو الاجتماعيّ، ونجحت السياسة السعودية نجاحاً أنموذجياً في الإمساك بزمام الأمور.
ومن المؤكد أن جزءاً كبيراً من هذا النجاح يُعزى إلى حكمة القيادة السياسية في البلاد، وإلى جهوزية القيادة الأمنية بكافة قطاعاتها وبُعد نظرها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (١٩٩) صفحة (١٧) بتاريخ (٢٠-٠٦-٢٠١٢)