لم تعد التجاذبات والاصطفافات الإقليمية تقلق فقط صناع القرار في المنطقة العربية نظرا لتسارع الأحداث السياسية التي لا يبدو أنها في الطريق لتستوي على بر الأمان رغم بعض الإنجازات الانتخابية في بعض العواصم العربية التي شهدت أحداث الربيع العربي مبكرا. فالعواصم العربية مشغولة منذ أكثر من عام بتداعيات ثورات وانتفاضات قادتها تقنية متقدمة فرضت نفسها على الجميع ولاتزال تفعل فعلتها في الشوارع العربية.
في خضم تلاحق الأحداث، انجرفت مناطق عربية إلى هاوية الحروب الأهلية والاقتتال الطائفي والمذهبي كما هو الحال في سورية وإلى حد ما اليمن، فيما تجرى عملية تحريف كبرى لتحركات شعبية في مناطق عدة من الوطن العربي، في وقت تتراجع فيه فرص المصالحات العربية الداخلية التي ينبغي أن تؤسس إلى حقبة جديدة من حقوق الإنسان كما هي مبينة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والحريات العامة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية بين مكونات المجتمع. وهذه ليست بدعة أو ترفا بقدر ما هي حاجة ملحة لإصلاح المجتمعات العربية المنهكة أصلا بأزمات اقتصادية واجتماعية مستفحلة ولا يمكن حلها بالطريقة التي درجت عليها السياسات العربية الرسمية منذ عقود من الزمن.
لكن الأمور لا تسير دائما كما تشتهي سفن النظم العربية، فالأوضاع المهترئة خلقت معطيات لم يعد التسويف معها مجديا في ظل بطالة عربية تصل في بعض الدول العربية إلى نحو 30%، وحاجة المنطقة إلى توفير نحو مليون فرصة عمل جديدة بينما تعاني أغلب الاقتصاديات العربية من عجوزات فلكية في الموازنات العامة لا يطفئها سوى الديون الخارجية من المؤسسات المالية الدولية التي تزيد من تدخلاتها كلما زادت المليارات على اقتصاداتها التي بدورها تعجز عن دفع فوائد الديون، فما بالك بالدين العام على هذه الدول والذي تقدره مصادر متخصصة عربية ودولية بنحو 650 مليار دولار.وإذا كان الاقتصاد والحياة المعيشية للمواطن العربي الأكثر تضررا بصورة مباشرة بسبب غياب الإستراتيجيات العربية في مختلف القطاعات الصحية والتعليمية والبنى التحتية والعمالة والإسكان، فان الفساد هو رأس حربة كل هذه العناصر، خصوصا عندما يصل الأمر إلى استفحال التمييز بين المواطنين في الوظائف والبعثات الدراسية للطلبة وغيرها من الخدمات التي يفترض أنها تبنى على أصول المساواة والكفاءة.
التطور الطبيعي لكل هذه الأزمات يتشكل في صورة تجاذبات واستحقاقات سياسية واجتماعية. ولأن الحلول تكون مستعصية لأصحاب القرار بعد عشرات السنين من السير على ذات النهج، فان الطريق الأسهل وصم المعترضين والمنتقدين للواقع المتدهور بأوصاف تهدف إلى صرف الأنظار عن حقيقة الأزمات، وتبدأ الأيدي الخفية التي لها مصلحة في تفتيت المجتمع على خلق معطيات جديدة على الأرض قوامها الاستقطاب الفئوي والطائفي والمذهبي والإثني والعرقي، مما يزيد من تفتيت المفتت والانتقال إلى مرحلة أخرى من إدارة الأزمة بدلا من حلها حتى الوصول إلى مرحلة الاصطدام المباشر بين مكونات المجتمع.
بعض المجتمعات العربية وعت إلى هذا الطريق الجهنمي، وفرملت الانجراف نحو هاوية الاحتراب الأهلي، لكن العديد من المجتمعات لاتزال تعيش إرهاصات الدخول في هذا المستنقع الخطير أو العمل على لجمه بالتوازي مع تشكيل القوى الجديدة الفاعلة في الساحة.ومع أن العالم مليء بالتجارب المفيدة، إلا أن المجتمعات العربية ونخبها السياسية الحاكمة وغير الحاكمة «لاتتعلم إلا من جيبها»، كما يقول المثل الشائع. آخر هذه الدروس جاء من بورما، التي تشهد هذه الأيام بداية الخروج من عنق زجاجة حكم العسكر الذي دام عقودا. فقد أعلنت زعيمة المعارضة هناك أونج سان سوتشي «أننا مستعدون للعب أي دور في عملية المصالحة الوطنية». سوتشي لم تأت من هامش الحدث البورمي، بل من عمقه حيث كان لها تأثير فاصل في تراجع عسكر بورما عن جزء من النهج الذي سار عليه وفرضت سوتشي شعبها البورمي معادلة جديدة شكلت هي الركن الأصعب فيها، وهو الأمر الذي قاد العالم إلى احترام ما قامت به وأكبر فيها عدم ذهابها لاستلام جائزة نوبل التي فازت فيها قبل 21 عاما، فكانت بطل المهرجان الذي خصص لواحدة من العالم الثالث جاءت لتقول تجربتها التي شكلت درسا تلقاه بكل لهفة عمالقة في الفكر والأدب والسياسة.
بورما اليوم تعيش مرحلة انتقالية في حياتها السياسية، وهي مرحلة وصفتها زعيمة المعارضة بأنها مرحلة انتقالية حذرة لأنها «لا تريد التشجيع على ثقة عمياء» في حكم العسكر.
ربما على النظم السياسية في الوطن العربي ومجتمعاتها التعلم من تلك المرأة، الخارجة للتو من إقامة جبرية، البحث الجدي في أحداث المصالحة الوطنية الداخلية والحوار والتفاوض بين القوى الفاعلة من أجل مستقبل أكثر أمنا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٠١) صفحة (٩) بتاريخ (٢٢-٠٦-٢٠١٢)