تبدو الأخبار القادمة من محافظة إدلب شمال سوريا أمس شديدة الأهمية والخطورة في آنٍ واحد، فبحسب التقرير المنشور اليوم على صفحات «الشرق» أنشأت عناصر متشددة معسكراً قرب إحدى قرى المحافظة وأعلنت أن هدفها ليس فقط المشاركة في إسقاط النظام وإنما إقامة دولة إسلامية لا تعترف بصناديق الانتخابات وإنما بفرض رؤيتها بالقوة دون احترامٍ لأصوات المواطنين السوريين
وقد تبدو هذه الرواية للوهلة الأولى متطابقة مع الروايات التي يروج لها نظام الأسد ويدَّعي فيها أن عصابات مسلحة وخلايا متشددة هي السبب فيما وصلت إليه سوريا الآن.
غير أن الحقيقة التي كشفها الناشطون الميدانيون من أبناء إدلب من واقع مشاهداتهم وتقصيهم مختلفة تماماً، فهذه المعسكرات ليست إلا حيلة من جانب نظام الأسد لتحقيق عدة أهداف، الأول إثبات صحة روايته عن تسلل عناصر من تنظيم القاعدة إلى سوريا، والثاني إرعاب المواطن السوري من مكونات المشهد السياسي حال سقوطه وإيصال رسالة مفادها أن المتشددين سيسودون البلاد ويتحكمون في العباد وأن «نار الأسد ولا جنّة القاعدة».
أما الهدف الثالث فهو محاولة إحباط الجهود الدولية الرامية إلى إبعاده عن سدّة الحكم اعتماداً على مخاوف لا محدودة لدى القوى الفاعلة دولياً والعواصم الغربية من القاعدة، هذا التنظيم الذي تمكن من السيطرة على مساحات شاسعة في بلد عربي آخر قامت فيه ثورة، وهو اليمن التي احتاجت قواتها المسلحة نحو عام للتغلب على الإرهابيين.
إذن، نحن أمام محاولة جديدة من بشار لإطالة أمد بقائه في السلطة على رقاب السوريين، حتى لو كان الثمن إيجاد موطئ قدم للمتشددين، وحتى لو كان الثمن عدة عمليات إرهابية ينفذها هؤلاء لإكساب روايات النظام مصداقية لن تصمد طويلاً أمام الحقيقة، فمن أدخل سوريا في أتون ما يشبه الحرب الأهلية هو بشار ومن أحبط كل محاولات الحل مفضلاً الحسم بالدبابات والطائرات هو بشار، في المقابل لم يستعن الثوار في سوريا في أي مرحلة من مراحل ثورتهم بالقاعدة ولا رفعوا السلاح إلا دفاعاً عن أنفسهم وأهليهم بعدما أيقنوا أن النظام قد يجهز عليهم جميعاً في سبيل البقاء.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٠٨) صفحة (٧) بتاريخ (٢٩-٠٦-٢٠١٢)