على مدار الأسبوعين الماضيين حاولت أن أثبت أن “توقيت الديمقراطية” في الألفية الثالثة (أبطأ) من أن يمكنها من الاستجابة للأزمات السريعة المتلاحقة، وأقصر من أن يسمح لها بالتخطيط للأمد البعيد، حيث تفاقم الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في العديد من ديمقراطيات العالم الغنية. ويبدو أن أحد أهم التطورات في “عصر ما بعد الديمقراطية” هو استعداد الجماهير لتجريب مسكنات “ميتافيزيقية ” ما ورائية ليست آمنة أو صحية لكنها أسهل وأسرع. ففي الولايات المتحدة يستخدم “حزب الشاي” في الولايات المتحدة نفس العبارات الدينية والأساليب التي تستخدمها الحركة الشعبية لمحاربة الفساد في الهند بقيادة الناشط الصائم “أنا هازار”.
أنهيت مقالي الأخير والمعنون “البعد الثالث في المصلحة الوطنية” بهذه العبارة: “فقد كانت النظرة التقليدية إلى “المصلحة الوطنية” تستند علي بعدين فقط: البعد الاقتصادي، والبعد – الجيو استراتيجي -، أما اليوم فقد ظهر “بعد ثالث” هو: اهتمام كل دولة بالنظر إليها بوصفها مواطنا دوليا صالحا. إن المشكلات والأزمات والتحديات الجديدة في العالم تتطلب نظاما لا مركزيا عالميا يرتكز علي دوائر أو مستويات أوسع من حدود وقدرات الدولة القومية ذات السيادة، بالنسبة إلى بعض الأمور‏، وأضيق من هذه الحدود والقدرات في أمور أخرى، أو قل إن الدولة أضحت اليوم أصغر كثيرا من أن تقدر علي الأشياء الكبيرة، وأكبر كثيرا من أن تقدر علي الأشياء الصغيرة‏.‏ “ومن ثم يتعين على دول العالم أن تلاحق في “عصر ما بعد الديمقراطية” ما سماه منظر العلاقات الدولية الأشهر (هيدلي بول): “الأغراض الأسمى من ذواتنا المحدودة”. وعالج “بول” هذه الفكرة ببراعة في كتابه المعنون: “المجتمع الفوضوي: دراسة النظام في السياسة العالمية”، الذي صدرت ترجمته العربية عن مركز الخليج للأبحاث عام 2006، عبر ثلاث مسائل أساسية: المسألة الأولى تتعلق بطبيعة النظام في السياسة العالمية. والثانية تـتـصل بكيفية الحفاظ على ذلك النظام في نظام الدولة المعاصر. يتصدى في المسألة الثالثة لاستكشاف الطرق البديلة، الممكنة والمعقولة، المؤدية إلى تحقيق النظام العالمي. وخلافاً لبعض الآراء التي تقول إن نظام الدولة ذات السيادة آخذ في الأفول، فإنه يجادل بأنه، خلافاً للتفكير السطحي، فإن سيادة الدولة ليست عقبة في تحقيق النظام العالمي، بل هي أساسه المكين.
لعل أهم ما لا حظه “بول” هو أن السلطة في المجتمع الدولي في عصر ما بعد الديمقراطية أصبحت تنتقل نحو الأعلى وأحيانا نحو الأسفل، فضلا عن أنها أصبحت أفقية وليست فقط رأسية، وأيضا ظهور عدة مستويات من الولاء الشخصي العابر للقوميات والحدود، مما دفعه إلي القول بتشكل “قرون وسطى جديدة (علمانية)، كبديل عصري للنظام السياسي الشامل الذي كان سائدا في المسيحية الغربية في العصور الوسطى، أو ما يعرف اليوم بمرحلة (ما بعد ويست فاليا) والدولة القومية.
يتألف هذا النظام السياسي الجديد حسب “بول” من مجموعة من الولايات القضائية المتداخلة وسلطات مجزأة وولاءات متعددة‏ أو قل من الفيدراليات الديموقراطية. يصبح ‏في هذا النظام مثلا، من شأن حكومة المملكة المتحدة أن تتقاسم سلطتها مع الإدارات في ويلز‏، إسكتلندا‏، يوركشاير‏، وأماكن أخرى‏، ومع سلطة أوروبية في بروكسل فضلا عن سلطة عالمية في نيويورك وجنيف‏.‏ وفي هذا السيناريو تكون ‏(‏قوة السلطة)‏ أفقية وليست رأسية.
وفقا لهذا السيناريو أو المنطلق تصبح فكرة سلطة سيادية (مركزية) واحدة تقيم في نيويورك من الأفكار العتيقة‏، وإذا ساد هذا الوضع على النطاق العالمي‏، فإن من شأنه أن يشكل نظاما “قروسطيا” جديدا خصائصه الأساسية شبكة من الولايات القضائية والولاءات المشتتة وغياب سلطة واحدة تتصرف بطريقة مبالغ فيها وتتمركز إقليميا‏.‏
وحسب بول‏:‏ يمكن تصور اختفاء الدول ذات السيادة واستبدالها بحكومة عالمية‏، بل بمكافئ حديث علماني من نوع المنظمة السياسية العالمية التي كانت موجودة في العالم المسيحي الغربي في القرون الوسطي‏.‏ وهناك خمس سمات للسياسة العالمية المعاصرة تؤيد نوعا ما هذا السيناريو الذي يتسم بالعودة إلى المستقبل‏:‏ ظهور التكامل الإقليمي مثل أوروبا الموحدة، ‏تآكل مفهوم الدولة القومية‏، عودة العنف الدولي الخاص‏، نمو المنظمات العابرة للقوميات والحدود‏، عالمية حقوق الإنسان.‏ وتمثل جميع هذه الاتجاهات البارزة تحديا لنظرية الدولة التقليدية ومفهوم السيادة كما ظهر في معاهدة “ويست فاليا” عام 1648‏.‏

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢١٣) صفحة (١٧) بتاريخ (٠٤-٠٧-٢٠١٢)