ثمة أزمة تعمل تحت رماد جمر يلتهب في منطقة حبلى بالتطورات المتسارعة التي تهب على البلدان العربية وجوارها. وقد جاء الدور الآن على إيران التي تواجه حصارا مستحكما من شأنه أن يحدد مصير المنطقة العربية وأن يستحضر أجواء الحرب الباردة بين عدة أقطاب أهمها الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين وبريطانيا، وهي دول فوق عضويتها في مجلس الأمن الدولي، فإنها تتمتع بمصالح استراتيجية حيوية بنسب مختلفة لن تتخلى عنها حتى وإن تطاير رماد الجمر الذي يتم النفخ فيه بما يكفي لإشعال حروب طويلة الأمد من طراز الحرب العراقية الإيرانية التي دامت سبع سنوات عجاف لم تبق ولم تذر.
أمام إيران اليوم خيارات معدودة أحلاها أمر من العلقم تزداد خطورتها مع إعلان الاتحاد الأوروبي تماشيه مع أمريكا في موضوع العقوبات الاقتصادية التي هي أكثر من حصار وأقل من إعلان حرب. يعزز هذا القول تدهور الوضع الاقتصادي بصورة متسارعة جعلت طهران تهرب إلى الأمام وتحرق مراحل في إعلاناتها المستمرة بدخول مزيد من الصواريخ البالستية وآخرها إدخال نوعين جديدين من هذه الصواريخ قصيرة المدى ومتوسطة المدى مع بدء التدريبات والمناورات العسكرية قبل أيام التي شملت كل الأراضي الإيرانية وامتدت إلى مياه الخليج العربي، لتدخل في سياق حزمة السياسات الإيرانية الهادفة لتعزيز الموقف في الملف النووي الذي بلغ مفصلاً على إثر فشل جولات المفاوضات في إسطنبول وبغداد وموسكو، ما قاد طهران إلى تشكيل خلايا أزمات لمواجهة الوضع الجديد بإعلان الاتحاد الأوروبي التزامه بالحظر الأمريكي على مبيعات النفط الإيراني بدءا من الأول من يوليو الجاري، علما أن حجم ما تستورده دول الاتحاد لا يتجاوز 18 بالمئة، لكنها سارعت لطلب إعفاءات من الرئيس الأمريكي حتى لا يطبق عليها القانون الأمريكي ووضعها في دائرة العقوبات.
وأمام إيران عدة جبهات مفتوحة على رأسها الملف النووي والوضع في سوريا والعراق ومنطقة الخليج، لكن الوضع الاقتصادي المتردي يقلق طهران كثيراً، حيث فقدت العملة الوطنية (الريال) نحو 5. بالمئة من سعر صرفها أمام الدولار منذ شهر مارس الماضي، وسوف يسهم الحظر على شراء النفط الإيراني في تقليص التصدير، بسبب الحصار النفطي، وتراجع الإنتاج بنسبة 30 بالمئة، أي من أربعة ملايين برميل يومياً تصدر منها مليونين ونصف المليون برميل.
هذه المعطيات جعلت من خلايا الأزمة المالية والاقتصادية تتحرك بسرعة وأعلنت طهران في الأول من يوليو الجاري أنها تمكنت من إيجاد بديل للأسواق الأوروبية التي توقفت أو خفضت من استيراد نفطها. لكن دولة مثل كوريا الجنوبية أعلنت أنها ستوقف استيرادها من نفط إيران وكذلك فعلت تايوان التي كانت تستورد نحو مائة ألف برميل يوميا (ثلاثة ملايين برميل شهريا) وعللت الدولتان خطوتهما بعدم وجود تغطيات تأمينية بسبب الحظر الذي يفرضه الاتحاد الأوروبي. في المقلب الآخر، فإن خضة جديدة في السوق النفطية لن ترحم دولا أوروبية تعاني من أزمات ديون تهدد بإفلاسها، وما طلبها الإعفاء من واشنطن لتصل إلى عشرين دولة حصلت على إعفاءات أوباما من أصل ثلاثة وعشرين دولة تستورد النفط الإيراني إلا مؤشر جدي على هذا القول، ما يوحي بأن الحصار قد لا يكون له تأثير إلا في الجانب النفسي وانعكاساته الطبيعية التي وجدت لها طريقا في بورصة طهران، سرعان ما أعلن المسئولون هناك أنها بحال جيدة وعادت إلى الارتفاع متجاوزة صدمة إعلان الحصار.
في هذا السياق أضافت إيران ملفا آخر من الملفات الشائكة، وهو سقف إنتاج منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) حيث طالب وزير نفطها مؤخراً بضرورة خفض الإنتاج إلى ثلاثين مليون برميل يومياً بدلا من 33 مليون برميل التي تنتجها المنظمة حاليا. وتقول طهران إن الإنتاج المرتفع وعدم التزام بعض الدول بحصصها أسهم في فقدان برميل النفط نحو ثلاثين دولاراً من سعره ليحوم اليوم حول تسعين دولاراً للبرميل بعد أن كسر حاجز 120 دولاراً.
وفي خضم هذه الاستحقاقات المبهمة المخارج تتموضع أسئلة رئيسية على طهران السائرة على حقول ألغام داخلية وإقليمية ودولية وستكون خطواتها المقبلة مرصودة في كل ملف عالق ينتظر حلولا واقعية وعقلانية وليس قفزة في الهواء. هذا يحتاج أيضا من دول المنطقة قراءة حصيفة للوقائع بعيدا عن التشنج السائد هذه الأيام من قبل أكثر من طرف في الساحة الخليجية والدولية. هذه الساحة ترى دراسات أمريكية أنها مقبلة على مزيد من التحولات المفصلية، وآخرها دراسة لجنة الشؤون الخارجية بالكونجرس الأمريكي التي أوصت بخلق توازنات واضحة بين مصالح واشنطن الأمنية وبين متطلبات حقوق الإنسان والديمقراطية في منطقة تتناسل فيها الأزمات وتقرع على حدودها طبول الحروب المدمرة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢١٥) صفحة (٩) بتاريخ (٠٦-٠٧-٢٠١٢)