يأتي قرار مجلس الوزراء أمس، المتصل بشأن المباني القضائية في المملكة، في سياق مشروع وطني كبير يقوده المليك منذ سنوات. إن مفردات العناية بهذا المرفق المهم والكبير لها جذورها في التاريخ السعودي الحديث، وتحديداً منذ زمن المؤسس طيب الله ثراه. إذ إن القضاء يمثل عماداً أساسياً من أعمدة الحكم السعودي القائم على كتاب الله وسنة نبيه، صلى الله عليه وسلّم.
ولذلك حرصت الدولة السعودية على تحمّل مسؤوليتها فيما يخصّ تمكين القضاء من أداء دوره الشرعيّ بوضوح. وتوالت العناية بهذا المرفق على امتداد نموّ الدولة السعودية. وفي عهد خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، حفظه الله، دُعم القضاء بمشروع وطني كبير هو مشروع الملك عبدالله لتطوير القضاء.
وتضمّن المشروع كثيراً من الأفكار والتنظيمات التي أشرف عليها مختصون قضائيون وقانونيون مرموقون. والهدف الواضح لهذا المشروع هو تطوير بيئة العمل القضائي بشكل شامل، والعناية باختصاصاته وتفريعاته، وتسهيل إجراءاته، والاستفادة من التقنية الحديثة في العمل القضائي.
علاوة على ذلك؛ اعتنى المشروع بالكادر القضائي نفسه، فالقضاة ليسوا مجرد موظفين عاديين، بل هم فئة تقع على عاتقها مسؤوليات جسيمة وثقيلة. ولذلك تضمن المشروع وضع العاملين في السلك القضائي لتتحقق لكل منهم الكفاية في الرزق، والسعة في الدخل المادي. ناهيك عن المميزات الوظيفية التي يحظى بها قضاة المملكة العربية السعودية.
وامتدّت تفاصيل مشروع التطوير إلى وضع القضاء في موضع نموذجي يستفيد من الخبرات العالمية المختلفة فيما يخصّ بعض الأشكال الإجرائية، دون أيّ تدخّل في جوهر القضاء الإسلامي النزيه.
وهذا يعني أن المملكة تستفيد من تجارب الآخرين مع الحفاظ على جوهرها الأصل، ويطّلع العاملون في السلك القضائي على الأنماط القضائية حول العالم ليس ليضعوا أحكاماً أو أصولاً قضائية؛ بل ليُوجِدُوا ما يمكن الاستفادة منه في تحسين بعض الإجراءات.
التجربة القضائية السعودية تحتفظ بسجل حافل مكتنز بالخبرات الشرعية على امتداد عقود طويلة. وهي عقود مشهودٌ لها باستقلال واضح لهذه السلطة الحيوية. ويأتي مشروع الملك عبدالله لتطوير القضاء مكمّلاً لما أنجزته الدولة في هذا المرفق العريض. وبلا شك؛ فإن المشروع ينمو ويتوسع بنضج وهدوء، ويُثمر عن مشاريع تطويرية تفصيلية يوماً بعد يوم. وما مشروعُ الأحكام البديلة إلا واحد من هذه المشاريع التي رُوعيت فيها الرؤية القضائية التي تقدم المصلحة على المفسدة، وتقدم إصلاح المتهم على عقابه، من دون أن يخلّ ذلك بشيء من الأحكام الشرعية الأصيلة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢١٩) صفحة (١٥) بتاريخ (١٠-٠٧-٢٠١٢)