يحيى عمر آل زايد

تطور الأمم يقاس بمدى تطور العقول، وعقولنا تتجه إلى المجهول لأنها تركز طاقاتها في كسب صراعاتها المفتعلة! ومن يعمل على توجيه عقله للنور ويركز على ذلك قد يجد أمامه جيوش «موردور» !. مجتمعنا يعاني من أزمة «مصطلحات»، التي تعتبر أحد أهم أسباب الخلافات الكثيرة التي نراها تبرز كل فترة وأخرى على الساحة، وقد نعاني من نتائجها الكثيرة في حواراتنا، التي تتفق أغلبها على ألّا تتفق !. معاني الألفاظ تختلف من شخص إلى آخر بحسب بيئته ومحيطه وثقافته، والخطوة الأولى لكي نتغلب على صراعاتنا «التصنيفية» التي شتتنا عن هموم أكبر هي أن نتغلب على أزمتنا تلك، ففي كل حوار أو مقال حواري يُنشر نرى الكاتب يتحدث عن قضية معينة ويربطها بمصطلح قد يكون صحيحا بحكم تخصصه الأدبي أو الشرعي أو التاريخي، وينطلق بناء على ذلك، فيأتي الآخر ويرد عليه بناء على تعريفه هو لذلك المصطلح الذي ترتكز عليه الإشكالية، فيقع كلاهما في سوء الفهم والظن، ومهما تحاورا فسيسيران في خطين متوازيين! فالأولى أن نوضح ما نعنيه من المصطلح المستخدم كاستطراد مثلا، لكي نعطي الآخر فرصة لفهم المعنى، فليس كل إنسان عالما!.
ومن جهة أخرى قد يكون الخلل في استخدام المصطلحات التعبيرية نفسها وليس الفهم السابق، فهناك مَن يتحدث عن إشكالية ويدعم أسلوبه بمصطلحات معينة فيصعب على الآخر تقبل الفكرة وفهمها وربما قد يرفضها ويحاربها منطلقا من فهمه الخاطئ الناتج عن مصطلحات « تعسفية « أعاقت لدية تقبل الفكرة. كنت مع شخص ذات يوم نتناقش في إشكالية، فوقعت في سوء التعبير أكثر من مرة، وما أنقذني كون الشخص المقابل يفهمني ويتفهمني لذلك أدرك ما قصدت وربما لو كتبت ما قلته نصا لانتهى الأمر بي «مصنفا» !.
نحن الآن في وقت نحتاج فيه إلى التركيز على مشكلات أكبر مما نراه في الساحة كل فترة !، نحتاج أن نتحاور ونتناقش في قضايا أكبر تعيقنا عن التقدم وربما تعيدنا للوراء، وأول خطوة في سبيل ذلك أن نترك التصنيفات التي فرقتنا وجعلتنا نتكتل في كتل وأحزاب، وثانيا أن نوحّد مصطلحاتنا أو على الأقل نوضح مقصدنا جيدا لكي لا نتراشق بالمصطلحات والكلمات في كل قضية تبرز على الساحة الثقافية، وفي الحقيقة لست أرى سوى ساحة وعرة بكثرة صراعاتها، صعبة العبور من خلالها، وتكاد أن تكون بعناوين معينة تتراشق كل فترة من اليمين إلى اليسار!.
عملية توحيد المصطلحات وتحديدها تحتاج إلى جهد وقد يفشل كثيرٌ في ذلك، ولكن لكل بداية صعوباتها، ولكي نتغلب على شقاقاتنا وانقساماتنا المحتملة، لا بد لنا من محاولة التغلب على بعض العقد والمعوقات، وأخشى كثيرا أن تخضع عملية تحديد وتوحيد المصطلحات إلى مصطلحات تعريفية أخرى !.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٢٤) صفحة (١٨) بتاريخ (١٥-٠٧-٢٠١٢)