حاصل على دبلوم كهرباء يُشعل ستين «رأس» يومياً للزبائن

مقاهي الشيشة.. سرطانات وضياع وعمالة غير نظاميّة

223566.jpg
طباعة التعليقات

الرياضخالد الصالح

تمثل مقاهي الشيشة المنتشرة في استراحات مهيّأة لجلساتها على أطراف المدن في المملكة، متنفساً لعديد ٍ من ساكني المدن، ومجالاً للعمل لكثير من الشباب، من المواطنين والوافدين، غير أنها في جانبها الآخر، تؤدي إلى أمراض عديدة، أخطرها السرطان، كما عملت على إيواء العمالة غير النظاميّة، لقبولهم بالأجور الزهيدة والانصياع لأوامر من يأويهم. وحول هذه القضيّة، بأبعادها الصحية والاجتماعيّة والنظاميّة، التقينا بالعديد من المختصين، كما دخلنا المقاهي نفسها والتقينا بالعمالة والزبائن.

أوضاع غير سليمة

عند تتبعنا أوضاع هؤلاء العمالة، في سكنهم الخاص بجوار المقهى، رصدت عدسة «الشرق» أوضاعا سيئة لغرف نوم هذه العمالة، حيث يجتمع أكثر من ثمانية أشخاص للنوم في غرفة واحدة مساحتها 4×5 م، ودورة مياه واحدة مشتركة.

ستون رأس معسل يومياً

قال وافد من الجنسية اليمنية، يحمل شهادة دبلوم كهرباء أتى بها من بلاده، إنه لم يجد بدا من العمل مشرفاً على إنارات أحد مقاهي الشيشة الشهيرة في العاصمة السعودية- الرياض- وقال «غزوان» لـ (الشرق): قدمت إلى المملكة العربية السعودية قبل عامين من الآن، وكان حلمي أن أعمل في نفس تخصصي «فني كهرباء» في إحدى المؤسسات أو الشركات المتخصصة، إلا أنني صدمت برغبة وإصرار الكفيل على العمل كمقدم شيشة للزبائن، ووجدت نفسي أقوم بإشعال ما يقارب ستين رأس معسل يومياً للزبائن.
وقال متأسفاً على وضعه الذي وصفه – بغير اللائق-: «إنني قبلت بطبيعة عملي، الذي أجبرني عليه صاحب العمل من أجل لقمة العيش التي دفعتني للعمل حسب الطريقة التي يراها، دون حول ولا قوة مني».

12 ساعة متواصلة

ومن جهته يقول عامل مقهى، حسن: أعمل في المقهى قرابة 12 ساعة متواصلة يومياً، مقابل 1500 ريال شهرياً. وأكد قائلاً: «صاحب العمل لا يعترف بالتأمين الصحي، كأقل حق يحصل عليه أي عامل في أي بلد، بالإضافة إلى تحديد وقت ساعات العمل وسبل الراحة والإجازات والسكن الجيد، فقد تضطرني الظروف غالباً أن أنام في غرف غير صحية داخل المقهى مع عدد كبير من زملائي وهي غرف ضيقة.

عمالة غير نظامية

وأثناء التجوال اكتشفنا أن أغلب أصحاب هذه الحكايات هم من العمالة الوافدة «غير النظامية «، الذين اختاروا العمل في هذا المجال «مقاهي الشيشة» لضعف الرقابة والمتابعة من الجهات المختصة، لكون أكثرهم لا يحمل إقامة، حيث قدموا إلى البلاد بداعي العمرة والزيارة، ومنهم مَن قدم عن طريق التهريب.

اعتراف

ويعترف الوافد «عبدالله» بأنه دخل البلاد بصورة غير قانونية، وأنه جاء متسللاً للحدود، مبرراً ذلك بأن هدفه فقط هو الحصول على لقمة العيش بسبب تدني الأوضاع الاقتصادية في بلده.

إكراميات

من جهته قال المواطن «أبو عبدالله»، أحد مرتادي جلسات الشيشة بكثرة، الذي التقته (الشرق) داخل المقهى: إن هناك بعضا من عمالة المقهى يرفضون تقديم «الشيشة» لي إلا بعد أن يضمنوا تقديم إكرامية لهم»، مرجعاً ذلك إلى تدني مرتباتهم الشهرية، ما قد يجعلهم يعملون في أعمال مخالفة للنظام خارج أسوار المقهى.

رأس المعسل

وعند سؤالنا لهم: هل تجعل العامل يشعل لك رأس المعسل أم تشعله بنفسك؟ أوضح عدد من مرتادي المقهى أن هذا الأمر من واجبات العامل الذي يقدم الشيشة، وهو أن يشعلها ويجهزها للزبون، بينما رفض آخرون فكرة أن يقوم مقدم الشيشة بتشغيل الرأس، مبينين أن من مهام العامل أن يقدم الشيشة التي تطلب فقط، لا أن يدخن الشيشة بدلاً عنهم، فما ذنبه إن كان لا» يشيش»؟ .

تعليمات بالخضوع

كما أكد بعض العاملين في المقهى أن صاحب المقهى يجبر كافة العاملين في المقهى على الخضوع للزبائن، وتنفيذ ما يطلبونه، بما في ذلك تجهيز «الشيشة» وإشعالها لهم. ولاحظنا أنّ بعض العاملين يستغلون خروج الزبون من المقهى بعد الانتهاء من الشيشة أو تركها، لتدخينها بعد أن يكون الزبون قد دفع قيمتها.

يسددون عن الهاربين

وفي نفس الموضوع يقول «منصور» أحد مقدمي الشيشة: في هذا المقهى قد أدفع أنا أو غيري قيمة طلبات الزبائن بدلاً عنهم بشكل يومي، ويؤكد أنه يدفع من راتبه يوميا مبلغاً لا يقل عن ثلاثين ريالاً جراء هرب بعض الزبائن من المقهى، دون دفع قيمة طلباتهم، ويقول: الكفيل منعنا من أخذ النقود مقدماً من الزبائن بسبب اعتراض بعض الزبائن على دفع المبلغ قبل تقديم الطلبات لهم، مما يزعج البعض منهم.
وعن عدد رؤوس المعسل التي يشعلها منصور يومياً قال: إنني أشعل قرابة سبعين رأسا في اليوم الواحد، وليس لدي رغبة في تدخينها، لكن الزبائن يجبرونني على ذلك، ويقولون هذا واجبي، وفي الواقع لا أعلم ما هي واجباتي هنا في هذا المكان.

غرامات على المشغلين

د.خالد الفاخري

من جهته أوضح عضو جمعية حقوق الإنسان، ومستشارها القانوني، الدكتور خالد الفاخري، في تعليقه على أوضاع هؤلاء العمالة المتذمرة والمخالفة لنظام الإقامة في نفس الوقت، أن كثيراً من العمالة، خاصة المخالفة منها، لدى ذهاب أعضاء الجمعية إليهم وسؤالهم عن مشكلاتهم التي تواجههم في عملهم، يمتنعون عن الحديث ويُفضلون إخفاء كثيرٍ من مشكلاتهم بسبب خوفهم من رب العمل، وأضاف: لكن إن لم تكن العمالة نظامية، تستطيع أن تلجأ إلى مكتب العمل، الذي يحاول أن يجد حلولا منطقية لهم، وإذا لم تُجدي هذه الحلول بتطبيق رغبات العامل، وبما يتوافق مع توجهات رب العمل، ترفع للجهات القضائية للنظر في المخالفات والتظلمات العمالية، وبنفس الحال فإن الأنظمة وضعت غرامة على أي مشغل قام بتشغيل أي فرد ليس على كفالته، وهي مبلغ معين تفرض على المواطن.
وفيما يتعلق بساعات العمل التي تعملها العمالة، التي تزيد على عشر ساعات في اليوم، أشار الفاخري، إلى أن المسألة واضحة في أنظمة العمل والعمال، التي حددت ساعات عمل محددة للعمالة لا يجوز على رب العمل مهما كان التعدي عليها، مؤكداً أنه لا بد أن تتوفر ساعات راحة للعامل، وساعات للأكل، بالإضافة إلى إجازة أسبوعية، وبيّن أن هذه الاشتراطات هي في صالح العامل النظامي في البلد، ولكن كثيراً من العمالة قد تواجه معاناة فيما يتعلق بالالتزامات على رب الأسرة والشكوى والمطالبة بحقوقها، ويتولد لديها الخوف بسبب وضعها غير النظامي والمخالف، لكونها مشاركة في المخالفة. وأشار الفاخري إلى أن وزارة العمل تعاقب العمالة المخالفة لنظام الإقامة، كما تعاقب بطبيعة الحال رب العمل، الذي سمح لهم بالعمل لديه في حال تم الكشف عن مخالفة صريحة للنظام من قبل الطرفين، فمن الواجبات الأساسية على رب العمل توفير المكان المناسب النظيف للعمالة بما يليق بآدمية الإنسان بغض النظر عن جنسه، فهذا العامل خلقه الله مكرما من الإهانة والتعامل غير الإنساني»، مؤكداً أن رواتب العمالة متدنية نظير ساعات العمل الطويلة التي تتعدى عشر ساعات في اليوم، ويجب أن تخضع لاتفاق فيما بين الطرفين، مؤكدا أنه من الصعب رصدها أو معالجتها لأن العامل على علم مسبق بها إلا إذا لم يكن هناك عقد عمل بين الطرفين وبه مميزات مالية محددة، تتعلق بالراتب الأساسي والبدلات، حيث يلتزم الطرف الأول بعدها بما يضمنه العقد من شروط ويلتزم العامل بتنفيذ الخدمة التي على أساسها تم التعاقد معه. وأبان الفاخري أن الجمعية لديها سياسة فيما يتعلق بعملها التجوالي في أماكن مختلفة، وإذا رصدت بعض الأمور المتعلقة بالعمالة الذين يسكنون في أماكن غير صالحة للسكن تبدأ بالتواصل مع الجهات المعنية لعلاجها. .ولفت الدكتور الفاخري إلى أن إشعال رؤوس المعسل ليس من واجبات العامل في المقهى، ويعاقب رب العمل إذا أجبره على هذا الفعل،.

عقوبات «العمل»

حطاب العنزي

أبان المتحدث الرسمي باسم وزارة العمل حطاب العنزي، أن هناك جولات تفتيشية تقوم بها الوزارة من حين لآخر، لكشف وضع العمالة المخالفة، وقال لـ»الشرق»: إذا كان العامل الذي يعمل في المقهى هارباً من كفيله ويعمل لدى صاحب هذا المقهى، فإن رب العمل يعتبر مخالفاً للنظام، بالإضافة إلى مخالفة العامل الصريحة، وفي حالة تم القبض على الوافد المخالف والهارب من كفيله الأساسي، ووجد يعمل عند شخص غيره، يغرم العامل ويخالف أيضاً من يعمل عنده، ويُسفّر على نفقة من وجد يعمل لديه».

باحث اجتماعي

شجاع القحطاني

وعن أثر هذه المقاهي من ناحية تواصل الأفراد والأصدقاء اجتماعياً، أوضح الباحث الاجتماعي في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض شجاع القحطاني، أن الإنسان بطبيعة الحال هو كائن اجتماعي، حيث إن الصحبة والعلاقات الاجتماعية ضرورية للفرد، لأنه لا يستطيع أن يعيش لوحده بمعزل عن الآخرين، مضيفاً: عادة ما يجتمع هؤلاء الأصحاب في أماكن عامة مثل مقاهي الشيشة لأنها دارجة بشكل كبير في الآونة الأخيرة»، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص قد لا يكونون مدخنين ولا حتى (مشيشين) ويضطرون أحياناً للجلوس مع أصدقائهم في مثل هذه الأماكن لأنهم يذهبون له باستمرار، ولأنهم يحرصون على ألّا يتركوهم، وبالتالي يتضررون صحياً لكونهم مدخنين سلبيين حتى وإن لم «يشيشوا» أو يدخنوا. وأضاف، ارتياد مثل هذه الأماكن لا يعاقب عليه القانون، وهو أمر غير مرفوض اجتماعياً، وغير مستنكر من قبل المجتمع، ولكن الضرر من هذا الأمر يكون على الفرد نفسه، لأنه يجلس في أماكن غير صحية». مشيراً إلى قيام إمارة الرياض بإنشاء ملاعب رياضية في مختلف المناطق والأحياء، الأمر الذي اعتبره بادرة إيجابية، متأملا أن تساعد هؤلاء الأشخاص في التنحي عن الذهاب لمقاهي الشيشة.

استشاري الجهاز التنفسي: التدخين السلبي مضر ومصاب السرطان لا يعود طبيعياً

د.سراج ولي

أكد استشاري الجهاز التنفسي في مستشفى الملك عبدالعزيز الجامعي بجدة، الدكتور سراج ولي، إن هناك دراسة نشرت في مجلة علمية في السعودية عام 2000، خلصت إلى أن رأس الشيشة الواحد يعادل علبة سجائر كاملة، وقال: «يخطئ البعض باعتقادهم أن الشيشة أخف ضرراً من تدخين السجائر»، إضافة إلى أنه قد تنتقل الأمراض والأوبة للشخص (المشيش) عن طريق «خرطوم الشيشة»، وأضاف: أمراض التدخين بشكل عام تمس أجزاء كثيرة من جسم الإنسان، كسرطان الرئة والقلب والشرايين، إضافة إلى قرحة في المعدة، وسرطان المثانة، مع احتمالية الإصابة بسرطان الدم بسبب التدخين»، مؤكداً أن 20 % من المدخنين يصابون بالانسداد المزمن في الشعب الهوائية، واصفاً خطر السرطان بالواضح والجلي، حيث إن مصاب السرطان بسبب التدخين لا يرجع طبيعياً حتى لو أقلع عن التدخين تماماً.
وعن آثار التدخين السلبي قال: « ليس هناك أبحاث تناولت دراسة مدى تأثر مجالسة الشخص المدخن، ولكن من المعلوم أن الخطر وارد، وهناك مقولات تفيد بأن الخطر على المدخن السلبي أشد من المدخن نفسه»، مرجعاً سبب ذلك إلى المواد السامة التي تخرج من جوانب السيجارة، التي يشتمها بالدرجة الأولى ويتأثر بها.

داعية: نطالب بإنشاء مقاه إسلامية بديلة

راشد الجدوع

قال الداعية الإسلامية الشيخ راشد بن زيد الجدوع: نحن نذهب كثيراً في جولات ميدانية لمقاهي الشيشة، وندعو إخواننا فيها، وكثير منهم يتقبلوننا ويتقبلون نصائحنا بصدر رحب ويفرحون بمن يذكرهم بالله، لاستبدال هذه الأماكن بكل ما هو طيب ويرضي الله. لافتاً إلى أنّ كثيرا من مرتادي هذه المقاهي قد تابوا ورجعوا إلى صوابهم بعد الجولات المتكررة التي قام بها عدد من الدعاة. وقال: هذه المقاهي تدفع الشباب إلى الإثم والعدوان والوقوع في المعاصي، كما أنها أماكن موبوءة، لما فيها من أدخنة وقنوات محرمة. وطالب الجدوع بأن يتم إنشاء مقاه ٍ إسلامية تكون بديلة عن الموجودة حالياً، يتوفر فيها كل ما قد يحتاجه الشباب ليسدوا وقت فراغهم، من ألعاب رياضية ومكتبات ومناشط تثريهم بدنياً وفكرياً.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٢٥) صفحة (١٥) بتاريخ (١٦-٠٧-٢٠١٢)