اكتظت ملفات المنظمات الإنسانية ومؤسسات الدول الكبرى بالعديد من التقارير حول تدهور الأوضاع المعيشية في اليمن للدرجة التي أجبرت منظمات الإغاثة الدولية العاملة فيه على دعوة المجتمع الدولي «إلى تقديم المساعدات الإنسانية الغذائية لليمن الذي يعيش على حافة الكارثة نظرا لأنه يعاني بأكمله من الفقر المزمن». وفي تقرير أمريكي حديث نشر يوم الثلاثاء الماضي على موقع «مونيتور» قال إن حكومة الوفاق غير قادرة على تلبية الاحتياجات الأساسية لليمنيين من الكهرباء والمياه والعجز في الموازنة.. حيث تعاني الحكومة من عجز قدره 2.5 مليار دولار. ووصفت كاتبة التقرير «دينا جرينفيلد» الحكومة بأنها «أقل ائتلافا من عائلة مفككة (..) مقسمة بين حزب المؤتمر الحاكم سابقا بالتساوي مع أحزاب اللقاء المشترك، وأن أغلب الوزراء ليسوا تكنوقراط بل سياسيين يلبون تطلعات أحزابهم».
هذه التوصيفات تتقاطع مع واقع الحال الذي خلصت إليه منظمة الأمم المتحدة للطفولة التي نبهت إلى أن مئات الآلاف من الأطفال اليمنيين يواجهون خطر الجوع ويعاني مليون منهم من سوء التغذية، فيما أكدت منظمة اليونيسيف يوم الإثنين الماضي على «أن 60 % من أطفال اليمن ما دون الخامسة يعانون سوء التغذية المزمن، وأن 250 ألف طفل في اليمن يتعرضون لخطر الإصابة بالجفاف وستترتب على ذلك عواقب أخرى إن لم نتصرف على الفور». وتشير إحصائيات عدة إلى أن 44 % من اليمنيين، أي نحو 10 ملايين شخص، هم جياع وليس لديهم ما يكفي من الأغذية، حسب قول مدير مكتب منظمة «اوكسفام» الإنسانية جوي سنجا. وتبلغ البطالة ما بين 36 إلى 40 %، حسب تقرير اللجنة الخاصة بدراسة الموازنة العامة لليمن للعام الجاري 2012، في وقت تبلغ فيه نسبة النمو السكاني 3 %، والنمو في قوة العمل لا تتجاوز الـ 4 %، بينما تعاني مخرجات التعليم من عدم ملاءمتها لمتطلبات سوق العمل. وفي المقلب الآخر بلغ الدين العام 6.64 مليار دولار في العام الماضي، وبلغت الإيرادات لنفس العام 5.5 مليار دولار بينما بلغت المصروفات تسعة مليارات دولار، وتراجع احتياطي النقد الأجنبي إلى 4.3 مليار دولار مقابل 5.94 مليار دولار في 2010، وتبلغ نسبة التضخم أكثر من 20 %. وحيث يعاني الاقتصاد من تدهور كبير، فإن فرص العمل الجديدة التي يولدها الاقتصاد لا تزيد عن 55 ألف فرصة جديدة بينما يصل عدد الداخلين الجدد إلى سوق العمل أكثر من 200 ألف شخص، الأمر الذي يفرض إيجاد فرص عمل جديدة تقدر بأربعة أضعاف ما هو متوفر حاليا للحفاظ على مستوى البطالة الحالي.
الوضع الاقتصادي اليمني لا يسر العدو، كما يقال، فرغم الإعلان قبل أيام عن إعادة بدء ضخ النفط في الأنابيب، إلا أن صنعاء خسرت نحو أربعة مليارات دولار بسبب توقف ضخ النفط منذ فبراير 2011. ويشكل النفط المورد الرئيسي للموازنة العامة للدولة بنسبة تفوق 70 % وما بين 30 إلى 40 % من الناتج المحلي الإجمالي. في ظل هذه المعطيات المقلقة تواجه حكومة الوفاق اليمنية استحقاقات كبرى خصوصا لجهة الكيفية التي يمكن من خلالها إقناع الدول المانحة بجدية الحكومة تقديم برنامج تفصيلي للاستراتيجية المقبلة لمواجهة التحديات الطارئة فضلا عن خلق الاستقرار السياسي والأمني في ضوء التجاذبات بين أطراف الحكومة نفسها ناهيك عن الخلافات الشاسعة بين مكونات المجتمع اليمني. دشنت الحكومة برنامجها المرحلي للاستقرار والتنمية للأعوام 2012 إلى 2014 في مطلع يوليو الجاري،هي تقوم، حسب وزير التخطيط والتعاون الدولي، على أربعة مكونات: الأول: تقييم الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية، والثاني: تحديد الأولويات العاجلة مثل استكمال إنجاز الانتقال السلمي للسلطة واستعادة الاستقرار السياسي والأمني، والثالث: يتمثل في برنامج الإنعاش الاقتصادي متوسط المدى لحفز الاقتصاد للحد من البطالة والفقر، والرابع: آليات التمويل والتنفيذ المقترحة للبرنامج الاستثماري.
هل تنجح حكومة الوفاق في إقناع مجتمع المانحين بجديتها للحصول على التمويل اللازم من أجل تفادي كارثة واقعة لا محالة في ظل تصنيف اليمن في قاع الترتيب العالمي من حيث الفقر حيث يبلغ متوسط دخل الفرد اليومي أقل من دولارين؟
كأن البلاد التي كانت سعيدة في غابر الأزمان تحتاج إلى معجزة للخروج من الأوضاع الاقتصادية والسياسية التي تزداد ترديا بسبب عدم الحسم مع النظام السابق، وبسبب التراكمات الضخمة من الأزمات المتناسلة منذ عدة عقود. لكن الأكثر خطورة هو ترك اليمن يواجه الكارثة وحيدا في منطقة عالية الحساسية نظرا لموقعها الجغرافي وامتلاكها لثروة النفط، وتعاني من عدم استقرار على أكثر من جبهة في الإقليم. ترك اليمن وحيدا يحول الكارثة الداخلية إلى دمار لن يقتصر على حدود الدولة، بل سيتجاوزها إلى المحيط الخليجي الذي يعاني أصلا من استحقاقات كبرى وهو لا يحتاج إلى المزيد من المتاعب التي ستتحول، مثل الفقر في اليمن، إلى أزمات مزمنة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٢٩) صفحة (١٣) بتاريخ (٢٠-٠٧-٢٠١٢)