يبدو أن بعض العلمانيين في الدول التي وصلت فيها تيارات الإسلام السياسي إلى صدارة المشهد يصرُّون على الإتيان بأفعال تستفز المنتمين إلى التيارات الإسلامية بمعناها الواسع لا بالمعنى السياسي الضيق، والنتيجة تصاعد حدة الاستقطاب في المجتمعات، وزيادة احتمالات تعطل عمليات الإصلاح السياسي، تأثراً بما تحدثه هذه الاستفزازات من احتقانٍ اجتماعي.
في المغرب، التي يقود فيها حزب العدالة والتنمية الإسلامي الائتلاف الحكومي، قرر بعض مناضلي الحريات الفردية التكتل من أجل إسقاط الفصل 222 من القانون الجنائي، الذي يحظر مظاهر الإفطار جهراً في الأماكن العمومية خلال شهر رمضان بدعوى «أن المجاهرة بالإفطار حرية فردية، لا يحق للدولة أن تحظرها حتى في المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة»، وهو ما استفز شعور الأغلبية التي تعظم شعيرة الصوم وترفض الخروج عنها وسط مخاوفٍ من إمكانية وقوع احتكاكات بين متعمدي الإجهار بالإفطار (حركة ما صايمينش) والمستائين من هذا التصرف.
وبالأمس القريب، دعا شباب علمانيون في مصر إلى الخروج في مسيرة تجوب شوارع وسط القاهرة لتحذير الرئيس الجديد محمد مرسي من الاقتراب من المشروبات الكحولية أو فرض قيودٍ على تداولها بحجة عدم أحقية الدولة بتنظيم بيع الخمور، ولم يتراجع هؤلاء عن تنظيم مسيرتهم إلا بعدما استهجنتها كافة قوى المجتمع المصري، الذي يرفض هذه الأصوات ويعتبرها خارجةٍ عن السياق دون أن يكون لذلك ارتباطٌ بالانتماء السياسي للرئيس أو بحيازة الإسلاميين أغلبية برلمانية زالت بحكمٍ قضائي.
وتكمن خطورة هذه الدعوات، التي تبدو غريبة على المجتمعات العربية والمسلمة، في أنها تؤجج مشاعر الغضب عند أنصار التيارات الإسلامية وتدفع شبابها الغاضب إلى ردود أفعالٍ قد تخرج هي الأخرى عن السياق خصوصاً في ظل عدم الاستقرار الأمني والسياسي الذي تشهده هذه الدول، وما استخدام الأصوليين في تونس للعنف في مواجهة ما اعتبروه إساءةً من فنانين تشكيليين محسوبين على التيار العلماني للدين الإسلامي إلا دليلٌ على ما قد تفرزه هذه الاستفزازات من نتائج سلبية في مقدمتها تهديد السلم الاجتماعي والتأثير على الحالة الأمنية والأوضاع السياسية.
وحتى لا يتحول النضال من أجل الحريات الفردية إلى محاولةٍ لهدم قيم المجتمع، يصبح من اللازم أن يبدي درجة أكبر من التصالح مع ما استقرت عليه المجتمعات من ثوابت وفي القلب منها، الثوابت الدينية خصوصاً في ظل تأكيد الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية التي وصلت إلى السلطة في عدة دول عربية التزامها بصون الحريات العامة والفردية وهو ما ترجمته إعلانات دستورية في مصر وليبيا وتونس.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٣٤) صفحة (١١) بتاريخ (٢٥-٠٧-٢٠١٢)