ينظر كثيرون بتعجب وبهجة إلى التجربة المغربية في إفلاتها من الاستحقاقات الدموية والعنيفة التي حصلت في بلدان مجاورة كجزء من تداعيات رياح الربيع التي عصفت بالبلدان العربية بنسب مختلفة. فقد كانت المملكة المغربية مرشحة لتطورات متسارعة لأسباب اقتصادية وسياسية وثقافية اختزنتها التجربة طوال عقود من الزمن وتسربت بعض من تفاصيلها في الأدب المغربي، وخصوصاً ما أصبح يعرف بـ»أدب السجون» المعتمد على سير ذاتية وجماعية لحقب قاسية مرت على المجتمع المغربي. وبخلاف دول أخرى مرّ عليها الربيع العربي، توصلت النخب السياسية المغربية، حكماً ومعارضة وقوى شعبية فاعلة، إلى خلاصات تقترب من التواطؤ غير المعلن بين أطراف اللعبة للخروج بالنتائج البارزة للعيان في الوقت الراهن، فبدأت بتعديلات دستورية «جذرية» وانتهت بتبوؤ حزب العدالة والتنمية، الإسلامي، رئاسة الحكومة وتشكيل الوزارة في العهد الجديد، علماً بأن تشكيل الوزارات التناوبية في المغرب ليس جديداً، فقد ترأست المعارضة قبل الربيع العربي بسنوات عدة وزارات، بيد أن حجم الأزمة الاقتصادية والسياسية والحقوقية كان أكبر من تعيين معارض في رئاسة الوزراء مدعوماً ببعض الحقائب الوزارية لأعضاء من حزبه، إذ لم تتمكن وزارات «المعارضة» المتعاقبة من وقف اندلاع الحراك الشعبي في العشرين من فبراير 2011، لأنها تعثرت في تحقيق ما هو مطلوب منها على الصعد الاقتصادية والسياسية والثقافية، نظراً لأن الأزمة أكبر من الجميع، ورياح الربيع أقوى مما توقع الجميع أيضاً. ويبدو أن قدرة الحكومة التي يترأسها عبدالإله بن كيران (حزب العدالة والتنمية) محدودة في حل الأزمات التي فجرت حركة 20 فبراير الشبابية، إذ يعاني أكثر من مليون مواطن مغربي من البطالة، في وقت يوفر الاقتصاد المغربي نحو 133 ألف فرصة عمل أغلبيتها الساحقة في المدن، بينما تفقد الزراعة مزيداً من مواقعها في توفير فرص عمل للشباب الذي يشكل النسبة الأكبر من العاطلين، في حين تفيد مؤشرات عدة أن هذا الوضع سوف يستمر بوجود 30% من الشباب المغربي عاطل عن العمل حسب تقديرات البنك الدولي في مايو الماضي. ويذهب التقرير إلى القول أن الشباب المغربي «لم يستفد من عقد من النمو الاقتصادي وصوتهم ضعيف جداً في عملية اتخاذ القرارات». وهذه معطيات تشكل تحديات كبيرة للنخبة السياسية الحاكمة الممسكة بتلابيب القرار الاقتصادي والسياسي، خصوصاً وأن المعضلة الكبرى للاقتصاد الوطني تتمثل في الديون التي بلغت أكثر من 45 مليار دولار بزيادة نسبتها 11.4% منذ مطلع العام الجاري، ويبلغ الدين الخارجي من إجمالي الديون 11.7 مليار دولار، فيما يبلغ الدين الداخلي 34 مليار دولار. وتبلغ نسبة الدين العام 47% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة كبيرة، فيما تمثل نفقات الدين العام 9% من الموازنة العامة، وتراجعت الموارد المالية من العملة الصعبة، فرفعت الحكومة أسعار بعض السلع الأساسية منها المحروقات وبعض الرسوم والضرائب لتمويل جزء من العجز في الموازنة العامة. استمرار الأزمة الاقتصادية يعني تواصل الضغط على الواقع السياسي الذي زاد تأزمه مع خروج حركة 20 فبراير الشبابية «من المولد بلا حمص» بعد أن اتفقت النخب السياسية بعيداً عنها وفرضت معادلات جديدة في عالم السياسة، لكن ليس في عالم الاقتصاد والاجتماع، خصوصاً البطالة المرشحة للتزايد في ظل انكماش الأداء الاقتصادي لشركاء المغرب التجاريين في كل من إسبانيا المهددة بالإفلاس على الطريقة اليونانية بسبب عدم قدرتها على تسديد الديون، وفرنسا التي تبحث عن مخرج يحفظ ماء الوجه باعتبارها واحداً من اللاعبين الرئيسين في الاتحاد الأوروبي. لكن الحالة المغربية التي أبهجت نهايتها الأولى كثيراً من المتابعين بحقنها دماء المغاربة وحفظ وحدة التراب المغربي، تواجه معضلة الجدية في تجاوز الأزمات الاقتصادية والمجتمعية وتجسيد العدالة الاجتماعية التي دعت إليها المعارضة السياسية قبل أن يتسلم أكبر حزب فيها مقاليد الحكومة. لكن الوزير الأول (رئيس الوزراء) يشعر بأن المياه لم تجرِ كما أراد الحراك الشعبي، وأكد الاقتصادي المغربي إدريس بن علي لوكالة فرانس برس على ذلك بالقول إن «الحكومة تعاني من فداحة المشكلات، أنها خاضت حملتها الانتخابية بحماسة أثارت آمالاً كثيرة والآن يجب عليها أن تدفع الثمن». والسؤال الآن عن حجم الثمن ونوعيته. فبالإضافة إلى البطالة والدين العام والعجز في الموازنة، من المتوقع أن تتضاعف واردات المغرب من الحبوب من ثلاثة ملايين طن في 2011-2012 إلى خمسة ملايين طن في 2012-2013 حسب وزارة الزراعة الأمريكية، وذلك نظراً للجفاف الذي ضرب المغرب وتراجع عائدات القطاع الزراعي الذي يشكل 17 من الناتج المحلي الإجمالي ويعيش عليه نحو 40% من المغاربة.
في ظل هذه الأزمات، ما الذي يمكن أن تقدمه التعديلات الدستورية «الجذرية» من حلول تجعل المواطن المغربي متمسكاً بحكومته وتجعل المواطن العربي يعلق آمالاً على أنموذج غير دموي في بلدان الربيع العربي؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٣٦) صفحة (١١) بتاريخ (٢٧-٠٧-٢٠١٢)