دخل العالم بعد الحرب العالمية الثانية مرحلة من مراحل التطور العلمي غير المسبوق والقائم على التكنولوجيا التي أتت كنتيجة لتطور العلوم الطبيعية بمناهجها العلمية التي تعني طرق الوصول إلى الحقائق والقائمة على الصرامة والشك والريبة تجاه ما يقدمه العلماء من فرضيات تخضع للفحص والدحض حتى يتم إثبات صحتها من قبل المجتمع العلمي.
فالمنهجية العلمية هي ما ساهمت في بزوغ اختراعات تكنولوجية أقرب ما تكون إلى السحر وفق معايير الأمم السابقة في تفسيرهم لطبيعة الأمور في عالم الواقع. إن اختراع الطائرة والصاروخ والمركبة ومن قبلها المحرك، قد يعد عملاً من قبيل السحر نظراً لما تحدثه تلك الاختراعات من علامات دهشة وذهول وخروج عن المألوف لعموم الناس. وطالماً أن السحر يجعل الإنسان في حيرة من أمره حول الواقع المشاهد، فإن العلم اليوم قد أصبح يقدم لنا اختراعات تلو اختراعات هي أقرب ما تكون إلى الخيال والسحر والخروج عن المألوف، فيمكن أن نطلق عليه أيضا بسحر العلم -إن جاز هذا التعبير. نعم لقد تحول العلم وخاصة الاختراعات التكنولوجية منه إلى السحر القائم على الحجة والبرهان التي يستنتجها العقل البشري الذي منحه الله لنا ليميزنا عن غيرنا من مخلوقاته وليجعلنا نتفكر في الحياة لكي نسخر الطبيعة ونطوعها في خدمة البشرية. فالسحر والعلم نوعان من أنواع المعرفة وإن كان لكل واحد منهما طرقه الخاصة التي يقدم بها عمله. حيث يكمن الفرق بين السحر والعلم في المنهجية المستخدمة. فطرق الوصول إلى الاختراعات العلمية ليست سراً بل هي خطوات تجدها شاخصة وواضحة في مقدمات الأبحاث العلمية. أما السحر، فإن طرقه وخطواته تظل سراً وإن تظاهر الساحر بخلاف ذلك. ولهذا، يعرف السحر بأنه كل ما عمي وخفي سببه، بينما يعرف العلم بأنه مجموعة من القواعد والمبادئ والقوانين التي أثبت التجريب صحتها والمتعلقة بجانب ما من جوانب الحياة. ففي الوقت الذي لا يوضح الساحر لنا الطرق التي عمل بها عمله، نجد أن العالم مطالب من قبل المجتمع العلمي بتوضيح طرقه المستخدمة في الوصول إلي إثبات ما يريد إثباته. وبناءً على ما سبق، يقوم العلم على أدلة وبراهين مستندة على التجربة فيصدقها العقل أما السحر فيقوم على طلاسم وقراطيس ما أنزل الله بها من سلطان. إن سحر العلم اليوم باختراعاته التي أذهلت الناس، لم يأت نتيجة الصدفة بقدر الإمكانيات التي وظفتها الدول من أجل تطويره واستخدامه من أجل تحقيق الريادة. وتبدأ قصة سيادة سحر العلم منذ اختراع آلة الطابعة في القرن السابع عشر الميلادي وتتبلور بتفجيرات هيروشيما وناجازاكي التي أعلنت ميلاد القنبلة الذرية التي أدرك العالم معها أن العلم ذا المنهج التجريبي فقط هو من سيحول الخيال من مجرد أفكار متناثرة هنا وهناك إلى واقع ملموس ليس فيه لعلم السحر والشعوذة مكان فيه. حيث إن تلك التفجيرات الذرية، قلبت موازين القوى للدول العظمى لتضع الولايات المتحدة الأمريكية على قمة مصافها بعد الحرب العالمية الثانية. إن وصول أمريكا لتلك المكانة، كان بسبب المراكز البحثية العلمية التي ساعدت وستساعد متخذي القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني…إلخ الأمريكي على اتخاذ القرار السليم تجاه القضايا الحياتية والسياسية منها على وجه الخصوص.
ولقد لحقت بالولايات المتحدة الأمريكية مباشرة عدة دول. فهذا الاتحاد السوفييتي لم تمض سوى شهور قليلة على تفوق أمريكا الذري، حتى يعلن امتلاكه للقنبلة الذرية ليتبعه كل من: فرنسا وبريطانيا والصين في امتلاك السلاح الذري الذي تحول بالمنهجية العلمية التجريبية إلى سلاح نووي مع مرور الوقت. وفي أثناء فترة الحرب الباردة أو القطبية الثنائية، استمرت أمريكا في التطور العلمي في شتى مجالات الحياة كما استمر الاتحاد السوفييتي على نفس وتيرة تطور أمريكا العلمي. إلا أن الاتحاد السوفييتي لم يستطع مجاراة أمريكا حينما وضع الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان في الثمانينيات من القرن الماضي برنامج حرب النجوم. ويرجع البعض أن النظام الاقتصادي الأمريكي الرأسمالي الليبرالي، هو من أعطى أمريكا الريادة لسحر العلم بينما النظام الاقتصادي الروسي الاشتراكي كان السبب المباشر في تفسخ جمهوريات الاتحاد السوفييتي في نهاية الأمر. بغض النظر عن دور النظام الاقتصادي الاشتراكي في ذلك، يظل ظهور سحر العلم في الصين ودول أخرى غير رأسمالية علامات استفهامية حول النظام الاقتصادي الأمثل في تطوير العلم. ولكن الحقيقة التي نستطيع إدراكها في هذا الموضوع، إن سحر العلم يحتاج لدعم مالي وبيئة مثالية للإنتاج العلمي وفرته أمريكا للعلماء وللمراكز البحثية وعجز الاتحاد السوفييتي عن تقديمه في ذلك الوقت. ولهذا، استحقت أمريكا الريادة العلمية التي وصلت إليها في أثناء الحرب الباردة وإلى الآن. بيد أن سحر العلم هذا لم يعد حكراً على أمريكا فقط.
فعلى حسب تقرير لليونسكو عام 2010م، فإن أمريكا أنفقت 10% من الناتج القومي على البحث العلمي بينما أنفقت الصين 15% تلتها أوروبا بـ 8% وإسرائيل بنحو 3% بينما يأتي العالم العربي بـإنفاق قدر بـ 0.003% من الناتج القومي العربي. إن الإنفاق العربي لدعم البحث العلمي بهذا الشكل، يعد ضعيفاً جداً مقارنة بأرقام إنفاق الدول الأخرى وهو بهذا الرقم لا يبشر بظهور سحر العلم في العالم العربي. ولعل ما يزيد الطين بلة هو الرقم الآخر الذي يطالعنا به الدكتور السنيدي. حيث إن إجمالي ما ينفقه الموطنون العرب سنوياً على السحر والشعوذة يقدر بخمسة مليارات دولار. بهذا الرقم، نستطيع أن نقول للعالم العربي إذا أردتم الريادة بين الأمم، عليكم بسحر العلم وليس علم السحر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٣٦) صفحة (١٠) بتاريخ (٢٧-٠٧-٢٠١٢)