يشكّل هروب العمالة واحداً من أهم المشكلات العمّالية تعقيداً في المملكة العربية السعودية. ذلك أن مساحة المملكة الواسعة المترامية هيأت كثيراً من الفرص للمخالفين من المقيمين. وبحكم هذه السعة في المساحة والتباعد بين المناطق؛ لم يكن الهروب يحتاج إلى أكثر من استقلال حافلة والانتقال من منطقة إلى أخرى، والبحث عن وسيلة عمل غير خاضعة للأنظمة.
وبصرف النظر عن أسباب المشكلة الواقفة وراء هروب العمالة؛ فإن مخاطرها لم تقف عند حدود المشكلات التنظيمية، بل تعدتها إلى أمور أمنية واقتصادية واجتماعية أيضاً. إن وجود العامل تحت ظل النظام يجعل منه عضواً فاعلاً في المجتمع ضمن الطاقة البشرية المنتجة. وقد دخل البلاد وفق ضوابط واضحة تضمن له حقوق الإقامة والعيش والعمل. وبالمقابل؛ تضمن لصاحب العمل حق الاستفادة منه كيدٍ عاملة. وذلك طبيعيّ في جميع دول العالم التي تستفيد من الأيدي العاملة والخبرات الأجنبية في الصناعة والتجارة والإدارة، ناهيك عن الأعمال اليدوية.
ومن الطبيعيّ ألا يكون الالتزام بالضوابط النظامية طبعاً طبيعياً لكل الملايين التي تأتي إلى بلادنا. ولا طبعاً طبيعياً لآلاف السعوديين الذين يستقدمون العمالة ويدفعون بها في مشروعاتهم ومصانعهم ومكاتبهم. وفي هذا السياق؛ يهرب عمال بحثاً عن فرص أفضل في حساباتهم الخاصة.
وعلى الرغم من التنظيمات المبكرة للتعامل مع مشكلة هروب العمالة، فإنها تحوّلت ـ مع الزمن ـ إلى وسائل يمكن استغلالها لاستقدام مزيد من العمالة بالنسبة للسعوديين. صار بعض السعوديين يبلغون عن هروب عمالة ليست هاربة في الواقع. ومع انتشار مشكلة أخرى هي مشكلة التستّر؛ تحول «هروب عامل» إلى معاملات نمطية يستهدف منها بعض السعوديين المخالفين إدخال عمالة جديدة إلى البلاد، بذريعة أن العمال الموجودين هرب بعضهم. منطق القضية يقول إن لكل نظام ثغراته وإشكالاته التي يمكن استغلالها لتحقيق منافع شخصية. و «هروب العامل» عومل كثغرة نظامية إما لتحقيق المنفعة المبينة آنفاً، أو لتحقيق هدف كيديّ ضدّ العامل، خاصة حين تتركّب الخلافات بين العامل وصاحب العمل، ولا يجد الطرفان حلاً وسطاً يُنهي الخلاف.
ولذلك؛ تحاول وزارة العمل من خلال تنظيمها الجديد الذي سوف تطبقه في سبتمبر المقبل أن تضع حداً للمتحايلين على النظام بثغرة «هروب عامل». ومن شأن التنظيم الجديد أن يخفّف من وطأة المشكلة، خاصة حين يتحوّل الإبلاغ عن العمالة الهاربة إلى كذبة لإيذاء عامل، أو لاستقدام عامل آخر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤٠) صفحة (١١) بتاريخ (٣١-٠٧-٢٠١٢)