في أحدث استطلاع أجراه مركز «بيو» لأبحاث الرأي العام: أن 86% من الناخبين الأمريكيين يركزون في اختيارهم للرئيس المقبل على الاقتصاد، و84% على إيجاد الوظائف وفرص العمل، و74% على العجز في الميزانية الأمريكية وبرامج الرعاية الصحية، بينما لم تزد نسبة المهتمين بموقف المرشح الرئاسي من حروب أمريكا الخارجية عن 46%. نتائج هذا الاستطلاع تعكس التحول في مزاج الأمريكيين والمنظرين السياسيين أيضاً وفي مقدمتهم «مايكل ماندلبوم» أستاذ السياسة الخارجية الأمريكية بجامعة جونز هوبكنز.
«ماندلبوم» هو أحد أهم الثقات في بيوت التفكير ومراكز الدراسات والأبحاث في العالم، فضلاً عن كونه أحد المصادر المهمة للكتاب والصحفيين، كثف كتاباته في الفترة الأخيرة حول أن الولايات المتحدة لم يعد بمقدورها أن تتحمل التكاليف الاقتصادية الباهظة للحروب الخارجية، خاصة وأن الدخول في حرب جديدة قد يكون سهلاً، أما الخروج منها فهو من أصعب الأمور. بل إنه يحذر أمريكا بشدة من خطر الوقوف على حافة الحروب، يقول: «إن السعي إلى فض اشتباك بين شخصين أمر، ومحاولة فض الاشتباك في مظاهرة أمر آخر، ففي الحالة الأخيرة يجرفك التيار إلى قلب المظاهرة «. ولذلك يتعين على الولايات المتحدة أن تدقق في هذا السؤال: هل ما يجري في أي حرب خارجية مجرد اشتباك يمكن فضه بالتدخل، أم أنها مظاهرة عارمة يتعين إحاطتها بسور والانتظار حتى تستنفد قوتها؟
المتابع لكتابات «مندلبوم» سيكتشف بسهولة التغير الجذري في مزاجه الفكري وتحولاته النظرية، منذ سنوات قليلة وبالتحديد قبل الأزمة المالية عام 2008 كان من أشد المدافعين عن الوجود العسكري الأمريكي في العالم الخارجي، وكتب: «إن التهديد الحقيقي لاستقرار العالم، ليس في وجود قوة أمريكية كبيرة، وإنما في وجود قوة أمريكية قليلة».. أو بالأحرى فإن وجود قوة عسكرية أمريكية قليلة سيؤدي حتماً إلى اتساع دائرة الفوضى في العالم.
اليوم يعود «ماندلبوم» ليمارس النقد الذاتي ويراجع عديداً من أطروحاته السابقة، في كتابه «القوة العظمى المقتصدة: قيادة أمريكا العالمية في عصر الضائقة المالية»، يقول: إن الشعار الذي اعتمدته أمريكا في الشؤون الخارجية والسياسة الداخلية طوال العقود السبعة الأخيرة كان (مزيداً).
إلا أن الشعار الذي ستعتمده في السياسة الخارجية ابتداء من العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين سيكون (قليلاً).
فقد انتقلت الولايات المتحدة من كونها دولة «منتصرة» عقب نهاية الحرب الباردة عام 1989، إلى «قوة عظمى مقتصدة» في بداية الألفية الثالثة، وهو مصطلح جديد سيلازمها الفترة المقبلة، وسيتردد صداه كثيراً في وسائل الإعلام المختلفة، وقد لا تخوض الحروب (الاختيارية) كما كان الحال في السابق، ولن تسمح لنفسها (أو يسمح لها اقتصادها) باستعراض القوة العسكرية مرة أخرى.
المقارنة التي يعقدها «ماندلبوم» حول القرارات السياسة الأمريكية (الداخلية والخارجية) في منتصف القرن الماضي، وفي بداية القرن الحادي والعشرين، جديرة بالتأمل والدرس، يقول: «لقد دفعنا القمر السوفييتي (سبوتنيك) إلى بناء طريق سريعة نحو المستقبل، لكن الحرب على الإرهاب بعد 11 سبتمبر قادتنا إلى بناء جسور نحو المجهول».
«إن السياسة الخارجية الأمريكية توشك الآن على الدخول في فترة طويلة من (شد الحزام).
والواقع أن النفقات المتزايدة اللازمة لسداد أقساط الدين الوطني المتنامي، فضلاً عن ارتفاع تكاليف الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية إلى عنان السماء مع بلوغ مواليد فترة الازدهار (سن التقاعد) وعددهم 78 مليون نسمة، من شأنها أن تقلص من الأموال المتاحة لتغطية تكاليف المبادرات الأمريكية في الخارج».
إن الاختلال في التوازن العالمي الذي كان من بين الأسباب الجذرية التي أدت إلى انهيار عام 2008 لم يصحح حتى وقتنا هذا، بل إن بعض أسباب الاختلال أصبحت أضخم من أي وقت مضى.
فالولايات المتحدة لاتزال تستهلك أكثر مما تنتج، الأمر الذي يؤدي إلى عجز تجاري مزمن.
فمازال الاستهلاك الأمريكي أعلى مما ينبغي، حيث بلغ نحو 70% من الناتج المحلي الإجمالي.
ما يعني أن مصير التجديد للرئيس أوباما في نوفمبر من هذا العام 2012 يحتاج إلى معجزة (داخلية) حتى يخرج من الأزمة الاقتصادية بأسرع مما يمكن، ذلك لأنه خارج الاقتصاد والأوضاع الداخلية الأمريكية، يصبح الكلام عن هذه الانتخابات ونتائجها مجرد (فانتازيا)، لأن نسبة البطالة مرتفعة، مما يؤكد عدم تعافي الاقتصاد تماماً منذ الأزمة المالية العالمية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤١) صفحة (١٣) بتاريخ (٠١-٠٨-٢٠١٢)