ينشأ عن الاعتماد على «شهادة» مجموعة حوطة سدير بثبوت الهلال لغط لا ينتهي كل عام. فقد ظلوا يتمتعون بالتعديل التلقائي من المجلس الأعلى للقضاء سابقا، والمحكمة العليا الآن. وكان المجلس يحاج في دفاعه عن اعتماد شهادتهم بقاعدة أصولية هي: «المُثْبِتُ مُقَدَّمٌ على النَّافي». ويعني هذا الأخذَ بشهادتهم التي يبادرون بها، وصرف النظر عن أية شهادة أخرى تنفي رؤيته. وكان أولى ضحايا هذه القاعدة شهادة الفلكيين السعوديين الذين يرصدون القمر، ويعرفون أحواله بدقة، ويحاولون رؤيته بالمناظير والمقرِّبات الحديثة الدقيقة.
وقد أشرت مرارا إلى أن إعمال المجلس لهذه القاعدة خطأ للاختلاف بين وسيلتي الرصد، أي: العين المجردة ووسائلَ الرصد الحديثة. إذ لا يمكن إعمال القاعدة على وجهها الصحيح إلا بين مترائين بالعين المجردة، أو بين مترائين عن طريق وسائل الرصد الحديثة.
وكان إعمال هذه القاعدة يسمح لهؤلاء الواهمين بالمبادرة بالشهادة كل عام، ثم تقبل شهادتهم تلقائيا. وكان رئيس المجلس الأسبق يثق بقدرات هؤلاء الواهمين ثقة مطلقة ويشهد لهم بالتفوق في رصد الهلال على علماء الفلك الذين كانوا يرصدون معهم في المكان نفسه.
ولكي نعرف شيئا من تاريخ هؤلاء يحسن الاطلاع على بداية نشاطهم في الشهادة برؤية الهلال في رمضان 1404هـ.
ويروي أحد المتخصصين في الفلك هذه البداية كالتالي: فقد «دعا مجلس القضاء لتحري هلال شهر رمضان تلك السنة في أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس (ويشهد هذا بمدى التخبط الذي ينشأ عن غياب الاستئناس بالطرق العلمية الحديثة في هذا الشأن البسيط). وكان وقت الاقتران في الساعة (7:48) مساء الأربعاء 29 شعبان، ويصاحبه كسوف بعد غروب الشمس في المملكة. ولم تثبت الرؤية إلا مساء الخميس وبدأ الشهر يوم الجمعة (وكان هذا هو الصحيح).
وبعد أيام من بداية الشهر حدَّث الأستاذ عبدالله الخضيري من حوله بأنه رأى الهلال ليلة الخميس (مع أن القمر غاب قبل الشمس بعشر دقائق) وصام يوم الخميس! ثم انتشر خبر رؤيته وصيامه منفردا في القرية فاستدعاه القاضي وسجل أقواله وطلب منه الحضور والتحري مساء الخميس الأخير من الشهر مع أنه يوافق 28 من رمضان (بحسب إعلان بداية رمضان الرسمية) على اعتبار أنه صار يوم 29 منه.
ثم دعا المجلس للتحري مساء الخميس، مع أن الاقتران لا يحدث إلا في السادسة والثلث من صباح الجمعة، فخرج الأستاذ الخضيري واثنان معه ورأوا الهلال، مع أنه غاب قبل الشمس بما يقارب نصف ساعة. فأبلغ عددا من أقاربه لكنه لم يقدم شهادة رسمية، واعتُمدت شهادةُ رفيقيه.
وكان الأستاذ الخضيري السبب في إيهام مجلس القضاء الأعلى بأن الشهر دخل متأخراً، مع أنه كان مخطئا في الرؤيتين كلتيهما لأنهما كانتا قبل الاقتران، وكان الهلال في اليومين المعنيين (الأربعاء 29 شعبان والخميس 29 رمضان) يغرب قبل الشمس».
ولم يهتم المجلس بهذه الأخطاء الواضحة، بل كانت، على الضد، سببا في تقريبه للأستاذ الخضيري منذ تلك السنة وعدِّه حجةً على الآخرين في إثبات الهلال!واستمر الحال على تلك الوتيرة طوال 25 عاماً حتى أوكل أمر الأهلة إلى المحكمة العليا عام 1430هـ. ويبدو أن المحكمة بدأت تستأنس بالحساب الفلكي في نفي الرؤية، إذ صارت لا تقبل الشهادة برؤية الهلال إذا قال الفلكيون إنه تحت الأفق. وتلك خطوة مهمة. وقد تقدمتْ مجموعةُ الواهمين نفسها بالشهادة برؤية هلال رمضان 1430هـ مع أن الهلال كان تحت الأفق. وردت المحكمة شهادتهم مما جعلني أستبشر فكتبت مقالاً بعنوان «ونجحت المحكمة العليا» (الوطن، 6/9/1430هـ) أشدتُ فيه بردها لشهادة هؤلاء.
لكن هذه المجموعة لم تتوقف عن أوهامها؛ فقد غيَّرتْ ممارستَها منذ تلك السنة، فأخذتْ تبادر بالشهادة برؤية الهلال بطريقة مختلفة. فبسبب رد المحكمة لشهادتهم برؤية هلال رمضان 1430هـ لأن الهلال كان تحت الأفق، صاروا لا يتقدمون بالشهادة إلا إذا كان الهلال فوق الأفق. وهم يعتمدون في معرفة ذلك على المعلومات الفلكية التي توفرها مئات المراكز العلمية في العالم. والمفاجئ أن المحكمة صارت تقبل شهاداتهم مع استحالة رؤية الهلال لانخفاضه وخفوت إضاءته.
والغريب أن المحكمة الموقرة لم تتنبه لهذا التحول المريب في نمط شهادة هؤلاء. وهو تحوُّل يشهد بجرأة هؤلاء على الشهادة بالوهم. والسؤال الآن: هل كان هذا التحول صدفة أم كان مقصوداً؟
وربما كانت المحكمة تعتمد في استمرارها بقبول شهاداتهم الواهمة على رأي للشيخ عبدالله بن منيع يقضي بأن «القول بعدم إمكان الرؤية (حين يكون الهلال فوق الأفق) تقييد لقدرة الله تعالى أن يعطي بعض عباده قوة بصرية تحطم معايير إمكان الرؤية» (الرياض، 5/9/1433هـ).
ويشبه هذا القول، من جهة، أن يكون عودةً غير مباشرة لقاعدة «المثبت مقدم على النافي»، وهو يقدِّم، من جهة أخرى، مسوِّغا لهؤلاء الواهمين ليستمروا بالشهادة برؤية الهلال ادعاء بأنهم يتمتعون، الآن، بـ»قوة» إبصار تفوق رؤية البشر!
وما يقوله الشيخ المنيع عن «قوة» بصر بعض الناس غير دقيق علمياً. وهو قول يوجب إقامة الدليل على أن هؤلاء يتمتعون بـ»قوة» إبصار تفوق «قوة» إبصار السعوديين جميعا. كما يَغفُل قول الشيخ المنيع عن مشكلة «الوهم الإدراكي» الذي يتسبب دائما في ضلال الرؤية. ويحسن بفضيلة الشيخ، لذلك، الاطلاع على عشرات المئات من الأبحاث العلمية التي تناقش ما يسمى بـ»وهم البصر». ومن ذلك ما يرد في كتاب عالم الأعصاب الأمريكي، ديفيد إيجلمان، الذي انتهيتُ من ترجمته وسينشر قريباً. ويحوي الكتاب فصلاً ممتعاً عن هذه القضية (ديفيد إيجلمان «المتواري: الحَيَوات السرية للدماغ»، 2011م). ويقرر المؤلف بعد عرض عشرات الأدلة والاستشهاد بعشرات الأبحاث أن «حالات الإبصار كلَّها، بمعنىً ما، وَهْمٌ».
ولا أظن الشيخ الفاضل يقول بأن «قوة» إبصار هؤلاء تتفوق على «قوة» المناظير الحديثة التي تكبٍّر حجم القمر مئات المرات. ولا أظنه يقول بتفوق أعين الواهمين الخمسة على تقنية الــ CCD imaging الأحدثِ التي تفوق التلسكوبات جميعا في رصد القمر.
والمأمول أن تحقق المحكمة العليا في هذا التحول المريب، وأن تعلن للناس رأيها في هذه القضية الموسمية بدلا من الصمت الذي يسهم في استمرار اللغط.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٢-٠٨-٢٠١٢)