«الذي ينكمش، لابد أولا أن يتمدد.
هذا الذي ينهار، لابد أنه كان متينا من قبل.
ما يطرح أرضا، لابد أنه كان مرفوعا من قبل.
قبل الأخذ، لابد أن يكون هناك عطاء».
(من كتاب «الطريق إلى الفضيلة» للحكيم الصيني لوتسو).
كأن الانكماش والتمدد والانهيار والسقوط أرضا، وضع يترجم في البلدان العربية التي عصفت بها رياح الربيع العربي. وكأن الأخذ والعطاء لدى «لوتسو» الذي صاغ حكمه قبل أكثر من 4500 عام، تتجسد بأشكال مختلفة في الساحات والميادين العربية. والحكمة القادمة من الصين تتموضع الآن في أزقة المدن والأرياف غير مكترثة بوعظ خارج عن حتمية التاريخ وعليها.
ولعل ما حذر منه سمو ولي عهد البحرين الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، يأتي في سياق هذه الصيرورة، فسارع مساء الإثنين الماضي (30 يوليو 2012) إلى توجيه رسائل في عدة اتجاهات بينما كان مجتمعا مع كبار الضباط ومسؤولي وزارة الداخلية البحرينية: رسالة للمؤسسة الرسمية بأجهزتها الأمنية، وأخرى إلى قوى المعارضة المتعددة المنابت والجذور. مفاد التحذير صاغه ولي عهد البحرين «بتوجيهات ملكية آمرة نافذة» تشدد على «احترام الدستور والقانون وألا يتم تجاوزهما بأي حال من الأحوال»، باعتبار الأول أبا القوانين، فيما الثاني منظم لإيقاع وحركة المجتمع. علاقة ملزمة لمن يقود ومن ينفذ بشرط وضعه الأمير سلمان وأضاف إليه «ألا تستخدم القوة إلا إذا استنفدت كل الطرق البديلة للتعامل الأمني»، وهي إضافة تحاكي المواثيق الدولية التي تحرم استخدام القوة المفرطة من قبل الموظفين العامين المكلفين بإنفاذ القانون ضد المتظاهرين السلميين، وذلك كجزء من التفاعل مع الدعوات المتصاعدة لتحجيم وضبط ما يجري على الأرض. وإضافة أخرى: «عدم التمييز في التعامل مع جميع أبناء الوطن بجميع انتماءاتهم وطوائفهم، والحفاظ على الممتلكات الخاصة والعامة». وفي الجانب الآخر تساءل الأمير سلمان بن حمد: «أين من يقف على الطرف الآخر، سواء في القيادات المجتمعية أو الدينية أو السياسية وعلى أعلى مستوياتها، لاتخاذ موقف واضح ومحدد ضد أعمال العنف والترويع؟». وكمن يريد إعادة تركيب الموقف المختل وتقويمه لبوصلة صائبة قال، «يجب أن يعي الجميع أن الخير على حساب الآخر ليس ما نسعى إليه، فنحن في سفينة واحدة ومصيرنا واحد».
تصريحات كهذه، غابت عن الساحة السياسية البحرينية منذ دخول البلاد الحقبة الأمنية، فجاءت كمن يلقي حجرا في مياه راكدة لتحرك شيئا من الجمود الذي مضى عليه أكثر من سبعة عشر شهراً، دون أن يلوح في الأفق وميض للحل السياسي بدلا من الحل الأمني. لعله شهر رمضان المبارك الذي يتسم كل عام بزيارات تمرر من خلالها بعض من التوجهات والمواقف، لكن هذه المرة تختلف من حيث معطياتها، فجاءت على لسان ولي العهد صاحب المبادرة الشهيرة ذات البنود السبعة التي توارت عن الواجهة لحظة إطلاقها يوم 13 مارس 2011، والتي كانت تشكل مخرجا للأزمة السياسية والدستورية التي لاتزال تعصف بالبلاد منذ الرابع عشر من فبراير 2011… فما الذي استجد لإعادة إنتاج بعض أفكار المبادرة؟
تؤكد المعطيات المحلية والإقليمية أن استمرار الجمود السياسي في البحرين ليس من مصلحة أحد، وأن المخرج بناء طاولة حوار متينة تتموضع عليها مبادرة ولي العهد ووثيقة المنامة التي وقعتها خمس قوى سياسية وتوصيات لجنة تقصي الحقائق، كانطلاقة ضرورية لأي توجه جاد لإخراج البلاد من أزمتها، تترافق بانفراجات أمنية وسياسية تصاحبها عدالة انتقالية تؤسس لرتق الفتق الوطني والطائفي. وبالتوازي تحتاج البحرين إلى ما يشبه مشروع مارشال ينتشل الاقتصاد الوطني من كبوته التي طالت حتى بلغت مستويات البطالة نسبا غير مسبوقة، وزادت أعداد الواقفين في طوابير الخدمات الإسكانية لتقترب من نصف عدد الأسر البحرينية، وزاد الضغط على التطبيب والتعليم والبنى التحتية كالطرق والكهرباء والمياه، ما يفرض استراتيجيات عاجلة قادرة على امتصاص وحل الأزمات المستفحلة.
متطلبات كهذه، لا ينبغي أن تنتظر استتباب واستقرار الوضع الإقليمي الذي تشهده المنطقة، إذ لا يعرف أحد متى تنتهي الأزمة في سوريا، ولا تطورات الملف النووي الإيراني، وإلى أين تسير أزمة أقطاب الحكم في العراق. إن كل تأخير في حل الأزمة الداخلية يسهم في تعقيدها وسيدفع الجميع ثمنا باهظا، باعتبارهم في سفينة واحدة، كما يقول ولي العهد، أو كما تقول المأثورة الشعبية بأن البحرين كالطير لا يمكن أن تحلق إلا بجناحين، واعتلال أي منهما يعني تعطيلا للتنمية الاقتصادية والسياسية وهو الأمر الذي من شأنه إعادة إنتاج الأزمة بصورة أعمق مما يتوقع كثيرون في الداخل البحريني والمحيط الإقليمي. ولعل ما أطلقه ولي عهد البحرين بحاجة إلى ترجمة أمينة وصادقة على الأرض، ولا يحتاج إلى نفي أو إنكار لما وجه إليه، وذلك لكي لا تغرق السفينة بمن على ظهرها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٤٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٣-٠٨-٢٠١٢)