لا يبدو مشهد تدفق المدرعات والآليات العسكرية المصرية إلى أراضي شبه جزيرة سيناء أمراً محلياً يخص المصريين وحدهم، إنما هو جزءٌ من مشهد عربي كبير، تتصارع فيه الدول مع مجموعاتٍ خارجة عن القانون، استغلت ظرف التغيير السياسي في عدة دول عربية، وما صاحبه من انفلاتٍ أمني، فأوجدت لنفسها مكاناً، وبدأت في استخدام العنف لإسقاط هيبة الدول، متجاهلةً أن الربيع العربي بما أفرزه من أدوات للتغيير تجاوز ما تستخدمه من آليات لفرض رؤاها بالقوة.
اليوم يكتشف المصريون أن سيناء التي غادرها الاحتلال الإسرائيلي قبل عقود تبدو «شبه محتلة» من قِبَل من يعادون الدولة، ويحاولون إنهاء وجودها في هذه الجزيرة ذات الموقع الجغرافي المهم في المنطقة، لتخلو لهم، فيتمكنوا من إقامة تجمعاتهم التدريبية، ورفع مستوى تسليحهم.
وما تصريحات مصدرٍ أمني مصري لـ «الشرق»، قال فيها إن الجيش اكتشف اتّباع هذه المجموعات لأساليب قتالية متطورة، وحصولها على معدات اتصال حديثة، إلا دليلٌ على استغلالها لتدهور الوضع الأمني في مصر لتطوير أساليب عملها، ما يعني أن الحرب التي بدأتها القوات المسلحة المصرية للقضاء على هذه البؤر بغرض تطهير سيناء واستعادتها، قد تستمر طويلاً، خصوصاً لو كان هؤلاء المسلحون على تواصلٍ بجهاتٍ خارجية تتبنى فعلهم، وتشاركهم السعي إلى تحويل سيناء إلى قاعدة تجمع وانطلاق للمؤمنين بهذه الأيديولوجيات من جنسيات مختلفة.
لكن مصر، على الصعيدين الرسمي والشعبي، تبدو مهيأة للتعامل مع هذا الخطر، فلا يبدو أن القوى السياسية على خلافٍ فيما يتعلق بهذه المسألة، ما سيمنح الجهات الرسمية غطاءً سياسياً لتنفيذ مهمتها مدعومةً بتأييدٍ شعبي بدا واضحاً في الجنازات الحاشدة لشهداء هجوم رفح.
ولن يكتمل هذا الدعم إلا بتقديم قبائل سيناء كامل العون للجيش، ليطهّر هذه المنطقة، ويعيد فرض سيادة الدولة عليها، تمهيداً لتأسيس علاقة جديدة بين القبائل والسلطة تقوم على التعاون، وتفهم الاحتياجات، إذ إن الخطر لن يزول تماماً عن سيناء إلا بأداء الدولة المصرية لمهامها المتمثلة في تعمير منطقة عانت طويلاً من الحروب والصراعات والإهمال.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٠) صفحة (٩) بتاريخ (١٠-٠٨-٢٠١٢)