خلص تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2012 إلى اقتراح ثلاث خطوات عدها ضرورية للخروج من الأزمات المتناسلة في البلدان العربية. أولى هذه الخطوات تتمثل في ضرورة الانتقال إلى منظومات حكمٍ أكثر فاعليةً وعرضةً للمساءلة، والثانية دفع التقدّم في عملية التنمية على نحو يَعود بالفائدة على الجميع لا على دائرة ضيّقة فحسْب، أما الثالثة فقد دعا التقرير إلى بذْلِ الجهود لتعزيز التلاحم الاجتماعي في وقتٍ لم يَسبق أن كانت هناك حاجةٌ إلى التعددية والإجماع مثلما هي الآن. ويبين التقرير الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، أن هياكل للدولة قديمة العهد تحول دون تمكين الأفراد والمجتمعات المحلية في البلدان العربية، رغم ما أحرزته هذه البلدان من تقدم في بعض مجالات التنمية البشرية خلال العقود الأخيرة. ويهدف التقرير، حسب واضعيه «إلى تشجيع الحوار حول الخيارات المتاحة لتجنيد إرادة الناس من أجل تمكين المجتمعات العربية»، ويطمح إلى «أن تشكل موجة التغيير الحالية أفضل فرصة للمنطقة العربية كي تحقِق إمكاناتها».
وهذا التقرير ليس الوحيد الذي يقدمه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، فقد سبقه خمسة تقارير تعني بالتنمية الإنسانية في البلدان العربية، حيث أُطلق في العام 2009 تقرير عن «تحديات أمن الإنسان العربي»، الذي يناقش موضوع الأمن الإنساني كشرط مسبق للتنمية الإنسانية، ويحذر من أن الخيارات المتاحة أمام المواطن العربي تتقلص بسبب الغياب المتراكم للأمن الإنساني. وفي العام 2005 أُطلق تقرير «نحو نهوض المرأة في الوطن العربي»، خلص فيه إلى أن تحقيق كامل قدرات المرأة العربية يعد شرطاً مسبقا لتحقيق التنمية في الدول العربية، وأطلق في العام 2004 تقرير «نحو الحرية في الوطن العربي»، دعا فيه إلى إصلاحات قانونية وسياسية بعد أن تبين نواقص الحرية والحكم الصالح. كما أطلق في العام 2003 تقرير «نحو إقامة مجتمع المعرفة» الذي سلط الضوء على بعض القيود التي تعرقل الحصول على المعرفة، وشدد على «أن المعرفة يمكن أن تشكل عاملاً مساعداً للمنطقة في توسيع أفق الحريات الإنسانية، تعزيز القدرة على ضمان الحريات عبر الحكم الصالح، وذلك لتحقيق القيم الإنسانية العليا من عدالة وكرامة إنسانية». وتحدث تقرير العام 2002 عن «خلق الفرص للأجيال القادمة»، وعد هذا التقرير القاعدة التي انطلق منها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي لكتابة تقاريره عن الحرية وتمكين المرأة والمعرفة، التي جاء ذكرها أعلاه.
تشكل هذه التقارير منظومة معرفية مهمة لواقع البلدان العربية في القضايا التي تطرقت إليها، فهي تؤشر إلى مكامن الخلل الذي انتاب البلدان العربية حتى بلغها الربيع العربي ووقعت بين نيران كثيرة، بعضها داخلي والبعض الآخر خارجي من داخل إقليمها أو من البعيد القصي الذي يرنو إلى خلق وقائع جديدة على الأرض بما يعزز مصالحه مستفيدا من ثغرات كثيرة لم تتمكن الخطط الخمسية التي أطنبت الآذان وملأت الصحف ليكتشف المواطن العربي أنها لم تتعد الورق المكتوبة عليه، وفطن أن كل هذه الخطط كانت وهما وسرابا قاد إلى مزيد من الفقر والعوز والبطالة والمرض وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية.
في ظل هذه المعطيات الموجعة بسبب تراجع التنمية الإنسانية، يعيد برنامج الأمم المتحدة تركيب أسئلة وتحديات تثير من الحيرة أكثر مما تقدم بعض الإجابات. فهل يمكن تصور أن ينتقل المواطن العربي من مرحلة «الرعية» إلى مرحلة المواطن المتمتع بجميع الحقوق الإنسانية التي تحدثت عنها تقارير الأمم المتحدة؟بمعنى آخر كيف يمكن فهم مسألة الانتقال إلى منظومات حكم أكثر فعالية؟ وما السبل للدفع بعجلة التنمية بما يعود بالفائدة على الجميع؟ وكيف يمكن تعزيز التلاحم الاجتماعي في الوقت الذي تنخر فيه سوسة الفرقة بين مكونات المجتمعات العربية لدرجة الاحتراب والتفجير من الداخل الذي هو أسوأ بكثير من مواجهة عدو خارجي؟
ربما يستطيع المواطن العربي أن يحلم بغد أفضل مما هو عليه اليوم، حيث المنغصات المتزايدة، وحيث تهدر الثروات بطريقة لم تعد مقبولة في عالم اليوم. لكنه سيرتطم بكثير من الصخور في الطريق لدرجة الانسداد الذي يضاف إلى الانسدادات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، فيتحول إلى «طنجرة» ضغط فوق مرجل بانتظار الانفجار.
انفجار لا يعرف تداعياته في عالم تتداخل فيه حالات كثيرة، ليتحول حلم التمكين إلى كابوس يشبه المستحيل في ظل عدم القدرة على تحريك وتدوير الزوايا التي انحشر فيها المواطن العربي منذ عقود طويلة سببت له تشويشا في طريقة الخلاص الذي يعيد له كرامته الإنسانية بما يليق بأي إنسان على وجه الخليقة، فضلا عن حالات التشويش الأخرى التي تبدو قمة جبل جليدها مبهرة، لكنه يتفاجئ بعتمتها في منتصف الطريق أو أخره، ليتحول حلم التمكين إلى مستحيل يتوجب نسيانه.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٠) صفحة (١١) بتاريخ (١٠-٠٨-٢٠١٢)