فاجأتنا بعض القنوات الفضائية في شهر رمضان المبارك لهذا العام بعرض مسلسل «عمر» رضي الله عنه الذي يتم فيه ولأول مرة تجسيد شخصية الخلفاء الراشدين الأربعة رضوان الله عليهم، وقد كثر الجدل حول هذا المسلسل، وتعددت الآراء بين من يرى تحريم مشاهدته بسبب تجسيد شخصيات الصحابة، تأويلاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (الله الله في أصحابي لا تتخذوهم غرضا بعدي) وبين مؤيد يرى أهمية التعريف برموز التاريخ الإسلامي من خلال الأعمال الدرامية وقد ساق كل طرف حججه لتدعيم وتعضيد رأيه وموقفه. في تصوري أن هذا المنظور الذي أزم النقاش الدائر هو في حقيقة الأمر أن هذا العمل الفني الضخم في نظر الطرف الذي يرى التحريم هدفه الرئيس هو الربحية من خلال استقطاب وجذب الإعلانات التجارية التي تُعرض أثناء عرض المسلسل وكذلك إنها المرة الأولى التي يُجسد فيها شخصية الخلفاء الأربعة رضوان الله عليهم كصوت وصورة، حيث شكّل ذلك جرأة فنية غير مسبوقة ربما شكلت صدمة فعلية للمجتمع. وقد يرى البعض أنه في حال فشل هذا العمل سوف يُفتح الباب لمن يريد المساس أو التطاول على هذه القامات الدينية التي هي صفوة السلف الصالح وخير الناس بعد النبي عليه الصلاة والسلام.لكن في نظر الطرف الذي يرى أهمية الدراما وضرورة توظيفها في إحياء الحقبات التاريخية برموزها وشخصياتها يُسهم في ربط الأجيال بقدواتهم وسلفهم مما يساعد ذلك في بناء شخصية القدوة المشرفة لهذا الجيل، ويستشهدون في موقفهم بأن التاريخ مرآة للزمان في تأريخ الأعيان.بالعودة إلى المسلسل أقول إنني عندما أردت أن أنظر إلى صورة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأربطها بالشخصية التي قدمتها لنا المصادر التاريخية والأحاديث الشريفة، آلمني ما شعرت به من عدم قدرة الشخصية التي قدمها المسلسل للارتقاء إلى الصورة الذهنية لخليفة رسول الله ونخبة أصحابه حتى أنني شعرت أنها جناية على مقام صحابة رسول الله رضوان الله عليهم؛ والبون الشاسع بين مقامهم التي خلدتها صفحات المصادر الإسلامية الموثوقة ومصادر المستشرقين وبين ما تطل به علينا بعض الأعمال الدرامية بين الآونة والأخرى ربما يصل في بعض الأحيان إلى مستوى العبث بتاريخنا الإسلامي.ما من شك أن إنتاج المسلسلات التاريخية القيمة ذو فائدة كبيرة في إعادة قراءة تاريخنا الإسلامي بزوايا مختلفة، والتذكير بالدور البطولي الذي لعبه المسلمون في نشر الإسلام، ما من شأنه أن يثري عقول شبابنا بالأحداث التاريخية المشرفة، وينمي فيهم الانتماء والاعتزاز بدينهم وأمجادهم.ولكن هل سيناريو المسلسل والشخصيات التي قامت بالأدوار نجحت فعلاً في تقديم الصورة الحقيقة المرجوة؟ أم إنها تعاملت مع النص والشخصية كعمل تمثيلي ودرامي فقط مثل أعمالهم ومسلسلاتهم السابقة.في تقديري الشخصي أن التهاون في تجسيد شخصيات الصحابة رضوان الله عليهم إنما هو مخاطرة جسيمة وأضرارها أكثر من نفعها، إذ إن تلك الشخصيات التي علقت بذهن المشاهد في تمثيلهم لأدوار الصحابة، ومن ثم يشاهدونهم وهم يلعبون أدواراً مغايرةً في مسلسلات أخرى، فيصبح المشاهد في حيرة من أمره أمام اختلاف تلك الأدوار والمواقف، وينطبق الأمر نفسه على تجسيد الصحابيات أيضا رضوان الله عليهن.إن شخصية مثل شخصية «عمر» رضي الله عنه الذي قيل فيه «إن إسلام عمر كان فتحاً، وإن هجرته كانت نصراً، وإن إمارته كانت رحمة» هي أصعب من أن تجسدها أو تعبر عنها الدراما والأعمال الفنية لارتباط هذه الشخصية العطره بعقيدتنا وموقعها في التاريخ الإسلامي، وقد بدا واضحا أنه مهما امتلك الممثل من خبرة وتوفر الإخراج المحترف، فإن من الصعب إقناع المشاهد بأن شخصية الممثل مقاربة لشخصية «عمر» رضي الله عنه، بل الأدهى من ذلك أن نرى شخصيات مهزوزة تتقمص شخصيات خلفاء رسول الله رضوان الله عليهم تقمصا لا يستسيغه ولا يرضى عنه من بحث أو اطلع وقرأ سيرة الصحابة رضوان الله عليهم.وقد شاهد المتابع أحد أهم الإسقاطات الكبيرة في المسلسل وهي تجسيد شخصية الخليفة الراشد أبي بكر الصديق الذي قيل عنه «إنه خير هذه الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم» وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه فيه «ليتني شعرة في صدر أبي بكر»- بل إن تقديمه رضي الله عنه كشخصية هامشية غير مؤثرة في الأحداث يجافي الحقيقة التي نزلت بها آيات محكمات في فضله وتقواه ودوره في نشر الرسالة وتثبيت الدين لكن للأسف فوجئنا له بالدور الثانوي الذي ظهرت فيه شخصية أبي بكر وخاصة أثناء البعثة وبعد الهجرة، فكان الأحرى إخفاء شخصيته من تجسيده بهذا الدور الضعيف الهزيل.ونحن لا نقبل أبدا بتجسيد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخاصة الخلفاء الراشدين الأربعة، لأن مقامهم عالٍ، وهم خير الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالاستهانة بتجسيد شخصياتهم من أجل الوصول إلى أهداف مادية وربحية أمر خطير للغاية.
كما يعاب على المسلسل فشل المعالجة الدرامية المتمثلة في الإطالة في فترة أحداث السيرة النبوية في مكة وبعد الهجرة، إذ أطنب المسلسل في سيرة «عمر» رضي الله عنه على الرغم من قلة مشاركته في تلك الأحداث، ولو اكتفى المسلسل بحلقتين أو ثلاث وضّحت كيفية إسلام «عمر» وهجرته، ومن ثم فترة خلافته والفتوحات التي حدثت في عهده لكان أنجع وأفضل.وحرصاً على الإنصاف لا يمكن إنكار الجانب الإيجابي للمسلسل في تجسيدهم لواقع المجتمع في ذلك الحين في كل من مكة ويثرب، حيث أجاد المخرج في تصوير واقع ذلك المجتمع وتقريبه لأذهان المشاهدين من خلال الشكل العام للناس والمنازل والمواقع الأثرية التي عانقت الواقع إلى حد كبير، وكذلك إخراج الغزوات والمعارك التي دارت في تلك الفترة بحرفية تامة ومقنعة للمشاهدين.وختاما، وبعيداً عن الأعمال التي تتعلق بكبار الصحابة نقول إن للدراما دورا لا يمكن إنكاره في التعبير عن القضايا وتوثيق التحولات التاريخية بلغة منسجمة مع طبيعة العصر الحالي إلا أننا نقول إن الشخصيات والقضايا الدينية لا يمكن التعامل معها بنفس المنظور والأسلوب الذي يتم التعامل به مع الأعمال الدرامية والفنية الأخرى، وهنا يجب تقييم أهمية وفائدة إنتاج مثل هذه الأعمال من الناحية الشرعية والتاريخية وأن تكون مسؤولية جهات علمية وثقافية موثوقة والاستعانة بأفضل المؤرخين المتخصصين في التاريخ الإسلامي، وذلك لتمحيص الروايات التاريخية، ومن ثم اعتماد الرواية الأقرب للحقيقة ليتم بذلك النفع للجميع، بما في ذلك بناء الثقة بين مختلف شرائح المجتمع والقنوات الفضائية المنفذة لمثل هذه الأعمال الدرامية.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٠) صفحة (١٠) بتاريخ (١٠-٠٨-٢٠١٢)