ستراوح الأزمة السورية مكانها لعدة أشهر أخرى، فبعد أشهرٍ من تكليف المبعوث الدولي العربي كوفي عنان لحل الأزمة، وتأمين انتقال سلمي للسطة في دمشق، يبدو أن المجتمع الدولي وقوى إقليمية وعربية لم تدرك بعد حقيقة ما يجري في سوريا، لهذا نرى أن الجهود ما زالت منصبَّةً على تجديد مهمة عنان في ثوب جديد يلبسه خلَفُه.
هذا يعني إغراق الساحة السورية في مزيد من العنف وترك الباب مفتوحا على مصراعيه أمام روسيا وإيران لدعم الأسد والإبقاء عليه يدير حربا أهلية وصراعا بين وكلاء لقوى دولية وإقليمية، ربما يطول لسنوات طالما أن المجتمع الدولي بقي متذرعا بالفيتو الروسي الذي تقف وراءه إسرائيل التي لم تخفِ موقفها ورغبتها في تقسيم سوريا إلى دويلات، فأول أمس توقع نائب وزير الخارجية الإسرائيلي داني أيالون تفكك سوريا إلى محافظات كما رجح أن يتعرض لبنان لنفس المصير.
وعلى الرغم من أن أمريكا، وعلى لسان وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون، أوحت أمس من تركيا أن حظرا جويا قد يُفرَض على نظام الأسد، إلا أن هذا لن يغيِّر شيئا في مسار الأزمة السورية، ما يبدو معه أن الولايات المتحدة تلعب دورا في إدارة الأزمة من الخارج بمساعدة الأمم المتحدة ومجلس الأمن وشركائها الأوروبيين، بينما يُترَك الأسد وحلفاؤه يديرون الصراع داخل سوريا.
وبات من الواضح أن قرار تسليح الجيش الحر لم يُتخَّذ حتى الآن وأن أي سلاح سيصله لن يواجه الترسانة العسكرية لنظام الأسد خاصة أن موسكو وطهران تمدَّانه بالسلاح دون قيود، وربما سيلعب الحظر الجوي المحتمل دورا سلبيا على مسار الثورة وقواها، وسيساهم في تنفيذ ما يخطط له الأسد على أسوأ الاحتمالات بالفرار إلى الساحل السوري وإقامة دويلته العلوية تحت حماية روسيا وإيران، خاصة أن بعض الدوائر الغربية بدأت تتحدث وتسرب خرائط ديموغرافية لتوزيع الأقليات القومية والدينية والطائفية في سوريا.
وفي نفس الوقت بدأت دول إقليمية، في دعم أطراف وقوى عسكرية داخل سوريا وربما تشجيعها، للتحدث في إطار طائفي وإقصائي، في الوقت الذي ترك المجتمع الدولي جسد الثورة السورية، والمعبِّر عن طموحات الشعب السوري يتآكل تحت ضربات أسلحة الأسد وصواريخه، ما أدى إلى تغييب معظم القوى التي أشعلت الثورة عن الصراع الذي بات عسكريا وإقليميا ودوليا، وهذا ما سيكمله خليفة عنان المنتظر.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٢) صفحة (١١) بتاريخ (١٢-٠٨-٢٠١٢)