مؤتمر « التضامن « الإسلامي الاستثنائي الذي دعا إليه العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز في مكة المكرمة، وحضره زعماء العالم الإسلامي ( أكثر من 57 رئيس دولة)، نقلة نوعية وتاريخية في مسيرة العالم العربي والإسلامي في الألفية الثالثة، بصرف النظر عن النتائج الإيجابية القريبة المتوقعة، خاصة وأن التحولات الجذرية التي يشهدها العالم والمنطقة منذ العام 2011، تدفعنا إلى أن نأخذ الأمور بأيدينا ونكون ( فاعلين ) وليس مجرد ( رد فعل ) في صياغة الشرق الأوسط الجديد وميلاد النظام العالمي الجديد.
فقد حلم العلامة « جمال حمدان « صاحب موسوعة « عبقرية مصر « في خاتمة كتابه « استراتيجية الاستعمار والتحرير «، بالتضامن العربي والإسلامي، ورأى : أن تركيا وإيران مع العالم العربي سوف يشكلون ( يوما ما ) مثلث القوة في منطقة الشرق الأوسط. وأن اكتمال أضلاع هذا المثلث – برأيه – سيمثل لطمة قوية للسياسة الإسرائيلية في المنطقة العربية والإسلامية، التي تسعى حثيثا باتجاه عدم قيام أي شكل من أشكال التعاون الاستراتيجي بين الدول العربية والإسلامية يؤثر على قوتها سلبًا.
مؤتمر « التضامن « الإسلامي تجاوز – بفعل حركة الأحداث والتاريخ – هذا المعنى الذي أراده حمدان، إلى معانٍ أرحب وأكثر إنسانية.
صحيح أن دعوة الملك عبدالله لعقد هذه القمة الاستثنائية في ظل الأحداث الكارثية التي تضرب المنطقة وتنذر بالمزيد من التفتت والتشرذم والانقسام، هي «بداية لتصحيح المسار وتقويم الخلل بما يجمع الأمة على طريق الإخاء والتكافل والتضامن»، كما قال الدكتور أكمل الدين إحسان أوغلو الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي، لكن هذا هو الجزء الظاهر من انعقاد المؤتمر في هذا التوقيت بالذات فضلا عن المكان نفسه.
إن « التضامن « – Solidarity اليوم هو قيمة إنسانية تساهم بقوة في بناء المواطنة العالمية الحقيقية، وتضمن استقرار المجتمعات وتطورها، كما أنه أحد القيم الست الكبرى في الألفية الثالثة، وهي: الحرية، المساواة، التضامن، التسامح، احترام الطبيعة، تقاسم المسؤولية.
وحسب موسوعة «ويكيبيديا»: فإن التضامن هو سلوك إنساني نبيل مبني على التعاون والتآزر بين الأفراد والجماعات ماديا ومعنويا، يعمل على تخفيف المعاناة عند الشدائد والكوارث وتقديم المساعدة عند الحاجة، ويكون التضامن عفويا أو منظما، كما أن التضامن مسؤولية الأفراد والجماعات كل حسب موقعه وإمكانياته، فضلا عن أن التخلي عن روح التضامن هو بالأساس تخلٍّ عن روح الإنسانية.
أما الفيلسوف الكندي المعاصر « تشارلز تيلور « فقد وضع الأسس الفلسفية لمفهوم « التضامن « بقوله : « إن شعور أي مجتمع بالتضامن لا يمكن أن يدوم إلا إذا عملت كل ( قواه الروحية ) على إعادة صياغة شعورها بالإخلاص لقضية التضامن: أي إذا نظر إليه المسيحيون باعتباره مركزاً لمسيحيتهم، وإذا نظر إليه المسلمون بوصفه محوراً لإسلامهم، وإذا نظرت إليه مختلف الفلسفات العلمانية باعتباره مركزاً لها «.
وهو يرى أن العالم أصبح بحاجة « للتضامن « أكثر من أي وقت مضى، بما في ذلك الدول الديمقراطية نفسها وإلا ستنهار لا محالة، يقول: «إن كل المجتمعات الديمقراطية اليوم تواجه تحدياً متمثلاً في إعادة تعريف هوياتها في الحوار مع بعض العناصر الخارجية، وبعض العناصر الداخلية.
ولنتأمل هنا التأثير الذي خلفته الحركات النسائية على الغرب بمختلف أنحائه.
فهؤلاء ليسوا أناساً قادمين من خارج بلدانهم، بل إنهم أناس كانوا يفتقرون على نحو ما إلى حق المواطنة الكاملة، ولكنهم طالبوا بها، ونجحوا في إعادة تعريف النظام السياسي بالحصول علي ذلك الحق.».
أضف إلى ذلك أن العالم في عصر العولمة يبحث عن»مشروع سياسي مختلف» يكون في حده الأدنى مهيأ لتوليد ( تضامن ) بين «غرباء».. فليس المقصود هو أن نمنع الشعوب والثقافات من التلاقي والاختلاط، بل أن نفهم كيف نوجّه لقاءهم هذا نحو الحياة الصالحة، فوق هذا الكوكب الواحد.
إن أفكار « تيلور» عن « التضامن « أصبحت « تيمة أساسية « في معظم النقاش العلمي الجاد حول التعددية الثقافية المهددة في الغرب، خاصة مسألة « دمج الأقليات المسلمة « في أوروبا التي تفرعت الآن إلى مسارات خطرة تؤجج الكراهية والعنف. وحسب الباحث الإيطالي «أنجيلو بانيبيانكو» فإن: «مسألة المهاجرين (المسلمين والعرب) باتت الآن مسألة سياسية من الحجم الكبير.. إنها المسألة الكبيرة الجديدة التي سوف تنقسم حولها لأجل طويل الديمقراطيات الأوروبية التي ستضاف إلى الخلافات المألوفة حول المواضيع الاقتصادية».ولا يعقل أن يكون العالم ( سبعة مليارات نسمة ) منشغلا بالتضامن على مختلف المستويات والأصعدة، بما في ذلك قضايا العالم الإسلامي، ولا نشارك نحن ( مليار وثلث المليار ) في هذا الجدل الخصب حول أهم قيم العصر وهي « التضامن «.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٥٥) صفحة (١٣) بتاريخ (١٥-٠٨-٢٠١٢)