تتسم الحياة السياسية في مصر هذه الأيام بحالةٍ من السيولة، اختلطت فيها تصنيفات القوى السياسية، بحيث لم يعد من السهل تمييز دوافع المعارضين للرئيس المنتخب محمد مرسي بل ودوافع المؤيدين له، ففي ظل استمرار تعميم الأحكام على مواقف السياسيين، وتزايد الفوضى الإعلامية أصبح كل مؤيدٍ لقرارٍ يصدر عن مؤسسة الرئاسة فرداً في جماعة الإخوان، وإن كان غير ذلك، في الوقت نفسه تحول كل معارضٍ للرئيس إلى عونٍ من أعوان النظام السابق، حتى لو كان ميدان التحرير شاهداً على عكس ذلك.
وبين هذا وذاك تعمل الحكومة الجديدة دون غطاءٍ سياسي واضح، باستثناء بعض الدعم الإخواني للرئيس الذي شكلها، وهو ما قد يحول دون اتخاذها قرارات مصيرية لمعالجة تدهور الأوضاع الاقتصادية في البلاد، وما تضارب الآراء بين مكوّنات التيار الإسلامي تجاه سعي الحكومة للاقتراض من البنك الدولي إلا دليلٌ على أنها قد تواجه الأزمات الكبرى وحدها دون دعمٍ يتيح لها إجراء تغييراتٍ جذرية.
ويعني هذا الوضع المرتبك أن مصر بحاجة إلى انتخابات برلمانية مبكرة، تحدد بوضوح من يقف في معسكر الموالاة ومن يشكل الكتلة المعارضة، وقد تؤدي نتيجة الانتخابات إلى تغيير التشكيل الوزاري ما يحرم الحكومة الحالية المدعومة من الرئيس من تطبيق رؤيتها، لكن في الوقت ذاته ستأتي حكومة تشكلها الأغلبية البرلمانية، تتمتع بظهير نيابي وشعبي، سيدافع بالتأكيد عن قراراتها.
وحتى تصل مصر إلى هذه المرحلة فإن الأمر يتطلب الإسراع في صياغة الدستور الجديد ثم إجراء استفتاء عليه، تمهيداً لإقراره في الغالب ثم الذهاب مباشرةً إلى الصناديق لاختيار برلمان جديد ينهي حالة التخبط السياسي، لتتمكن الحكومة من العمل، ولتخرج مصر من مرحلة «تسيير الأعمال» إلى مرحلة الاستقرار، تمهيداً لتحقيق التنمية، وتفعيل مبادئ الثورة، خاصةً أن إخراج المؤسسة العسكرية من المشهد سيتيح لأي أغلبية مقبلة تحقيق برنامجها والسيطرة على إدارة الدولة لتكون في موقع مساءلة أمام الرأي العام دون أعذار.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٦٥) صفحة (٩) بتاريخ (٢٥-٠٨-٢٠١٢)