«الصندوق» المقصود في عنوان المقال هو «صندوق النقد الدولي»، أما عبارة «التفكير خارج الصندوق» فهي تعني «الإبداع» والحلول غير التقليدية للمشكلات. ولندخل في صلب الموضوع مباشرة ونطرح هذا السؤال: لماذا نكرر نفس أخطاء الحكومات المتعاقبة لمدة ثلاثين عاما في عهد الرئيس مبارك (وكأنك يا أبو زيد ما غزيت) ونطلب قرضا بقيمة (4.8) مليار دولار من صندوق النقد الدولي؟.. ولماذا نقترض أصلا من المؤسسات الدولية والدول الصديقة بينما لدى مصر من الإمكانات المتاحة والموارد غير المستغلة فضلا عن الأموال المهدورة، التي لم تنتظم بعد داخل الاقتصاد الرسمي للدولة ( مئات المليارات )؟
الأفكار الواردة في هذا المقال تدعمها الحقائق والأرقام التي توصل إليها ميدانيا‏، فريق معهد الحرية والديمقراطية في ليما عاصمة بيرو‏، وهو ثاني أهم مركز للتفكير في العالم‏ حسب الإيكونومست‏.‏ ويترأسه الخبير العالمي «هرناندو دي سوتو» أحد أبرز خمسة مجددين للاقتصاد في القرن الحادي والعشرين‏. وحسب «دي سوتو»: فإن قيمة المدخرات لدى الفقراء‏ هائلة (‏ خمسة أسداس البشرية‏)‏، وهي (أربعون مثلا ) كافة المعونات الأجنبية التي تم تلقيها‏،‏ في كافة أنحاء العالم منذ عام‏1945.‏ وفي مصر تحديدا: تساوي الثروة التي تراكمت لدى الفقراء ( 55 مثلا ) مبلغ كافة الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي سجلت فيها،‏ بما في ذلك قناة السويس والسد العالي‏.‏ بيد أنهم يحتفظون بهذه الأصول ـ حسب دي سوتو ـ في شكل معيب‏:‏ بيوت بنيت على أراضٍ ملكيتها ليست مسجلة بالشكل السليم‏، ودور أعمال لا تأخذ شكل الشركات‏ المعتمدة عالميا، كما أن مسؤولياتها غير محددة‏، وصناعات قائمة ( تحت السلم ) حيث لا يستطيع الممولون والمستثمرون رؤيتها‏.‏
ونظرا لأن الحقوق في هذه الممتلكات ليست موثقة على النحو السليم‏،‏ فإن هذه الأصول لا يمكن تحويلها بسهولة إلى رأس مال‏،‏ ولا يمكن مبادلتها خارج الدوائر المحلية الضيقة التي يعرف الناس فيها بعضهم، ويثقون ببعضهم بعضا، ولا يمكن استخدامها كرهن لضمان القروض‏،‏ ولايمكن استخدامها كحصة في استثمار ما‏.‏
وأشير هنا إلى دراسة مهمة ( توصلت إلى نفس النتائج تقريبا ) صدرت قبل سنوات عن المركز المصري للدراسات الاقتصادية، بعنوان « رأس المال غير المستغل ومحدودو الدخل في مصر»، وخلصت إلى: أن التقدير الأولي للأصول العقارية المصرية يشير إلى أن 92% من المساكن في المناطق الحضرية و87% من الحيازات في المناطق الريفية، تعد غير رسمية، وتمثل نحو 240 مليار دولار.
وأن ما يقارب 90% من السكان يعيشون ويعملون داخل مساكن غير مسجلة رسمياً، كما أن أكثر من 80% من السكان يقيمون داخل حيازات ريفية غير رسمية، وتشير الدراسة: «إلى أنه من المثير للانتباه أن فئة قليلة هي التي تدرك أن الفئات الفقيرة تمتلك معظم الأراضي والأعمال في الدولة، ولكنها في الوقت نفسه تفتقر إلى حقوق الملكية الرسمية لهذه الأصول» وطالما ليس في وسع الغالبية استخدام أصولهم في السوق، نظراً لكونها غير مسجلة رسمياً، فإنهم لن يتمكنوا من إدراك معظم المنافع الناتجة عن عمليات الإصلاح على مستوى الاقتصاد الكلي، ولن يستفيدوا منها.
هذا، فضلاً عن تركيز رأس المال في أيدي حفنة قليلة، وإذا لم تتمكن الغالبية من تكوين رأس مال، والمشاركة في فائض القيمة، والوصول إلى الأسواق الآخذة بالاتساع، فمن الأرجح أن يؤدي هذا التناقض إلى التصادم بين الطبقات، وإذا ما توقفت برامج الإصلاح الاقتصادي عند تثبيت المتغيرات النقدية والمالية، والحد من اختلال الأسواق، فإنها لن تكون بمثابة أداة للتغيير، وستستمر وجهة النظر أن أي إصلاح اقتصادي – سواء قبل الثورة أو بعدها – لا يفيد سوى الأغنياء، الذين يملكون رأس المال بالفعل.
إن اقتصاديات السوق في حقيقة الأمر، وحسب « دي سوتو «، ليست سوى مؤسسات وجدت لتسهيل تبادل الممتلكات، التي تمت حيازتها بصورة قانونية، وأن السبب في عدم نجاح ما يطلق عليه اقتصاد السوق المفتوحة في مصر والشرق الأوسط، لا يكمن في عدم تقبل المواطنين لفكرة الأسواق، وإنما إلى عدم امتلاكهم حقوق الملكية الرسمية الكافية، التي تتيح إمكانية قيام اقتصاد سوق متطورة.
إن معظم الاقتصاد الموازي أو السري في مصر يتركز أساسا في العشوائيات، أو قل في الهوامش، التي تحاصر المركز، في كل محافظات ومدن مصر المحروسة، ولا يدخل معظمه في عجلة الاقتصاد الرسمي أو‮ (‬المركز‮)،‮ وإذا لم نبدأ ( فورا) في مجابهة هذه المعضلة الاقتصادية بعد الثورة سنكرر نفس أخطاء الماضي وخطاياه في ( الاقتراض ) من صندوق النقد الدولي!

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٧٦) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٥-٠٩-٢٠١٢)