كان البحرينيون على موعد مساء الأول من سبتمبر الجاري مع حفل تأبين واحد من رجالاتها المخلصين لشعبه ووطنه وأمته طوال خمسين عاما أمضاها في العطاء الذي لم يتوقف إلا بعد أن أصيب بغيبوبة طرحته الفراش أربع سنوات؛ ليأخذ الله أمانته ويرحل عبدالرحمن النعيمي عن عوالمه التي ملأها بالحب، والأمل الذي لم يفارقه حتى وهو شاخص عينيه وكأنه يقول لزائريه: حتى وإن لم أقدر على محاورتكم لكنني حاضر هنا.
قليلون هم الخليجيون الذين ينتمون لجيل النعيمي ولم يتعرفوا عليه أو لم يسمعوا به، أقصد أولئك الذين انخرطوا في الشأن العام، وعاشوا حقب الزهو بالاستقلالات الوطنية وبزوغ الفكر القومي والعنفوان الوطني، كما عاشوا الانكسارات التي شهدتها المنطقة وأهمها نكسة حزيران 1967، التي احتل فيها الكيان الصهيوني ما تبقى من فلسطين وقضم سيناء المصرية والجولان السورية، لتبدأ إرهاصات التحول في جسد حركة القوميين العرب التي كان المرحوم جورج حبش ووديع حداد من أهم قادتها، وكان النعيمي واحدا من قياداتها الإقليمية، فقاد عملية التحول التاريخية خليجيا انسجاما مع قرارات المركز في بيروت ليبدأ حقبة جديدة من المهام على مستوى الإقليم أخذت من عمره ثلاثة وثلاثين عاما، عاد بعدها إلى بلاده البحرين بعيد التصويت الشعبي على ميثاق العمل الوطني وبدء الانفراج الأمني والسياسي الذي اتسمت به السنتان الأوليتان من الألفية الثالثة فأسس جمعية العمل الوطني الديمقراطي (وعد) مع مجموعة من رفاق دربه في أكثر من طيف سياسي وعدت أول جمعية سياسية مرخص لها في منطقة مجلس التعاون الخليجي، وذلك بعد أن حصلت على الإشهار الرسمي في العاشر من سبتمبر 2001، حيث بدأت في ذلك العام حقبة الخروج من العمل السري والشروع في العمل السياسي العلني التي اقترحها النعيمي على القيادة السياسية في البحرين كمخرج مؤقت تم التوافق عليه، فتشكلت باقي الجمعيات على هذا الأساس، ليستمر الوضع حتى العام 2005 عندما تم إصدار قانون الجمعيات السياسية، في خطوة أولى لتنظيم العمل السياسي في البحرين، شهدت البلاد حينها جدلاً عميقاً حول سقف هذا العمل وتأثيراته في الحياة العامة.
في تلك الليلة البحرينية الخليجية العربية الأصيلة التي احتضنتها جمعية المهندسين البحرينية، امتلأت قاعة المهندس هشام الشهابي عن بكرة أبيها بكل أطياف ومكونات المجتمع البحريني والخليجي، الذين حرصوا على الحضور وكأنهم يحققون حلم الراحل بما كان يريد أن تكون عليه الجمعية التي أسسها. فقد كان النعيمي يردد أمنيته بأن تعكس جمعية وعد كامل الطيف البحريني وأن تكون أنموذجا حضاريا ليس على مستوى البحرين فحسب، إنما على المستوى العربي حيث الأجواء العامة تعاني من أوبئة اجتماعية داخل العمل السياسي. جاء المئات لتأبين رجل لم يفرق يوما بين مواطن وآخر. رجل تواضع لله فرفعه، مثلما رفعه الحجيج البحرينيون وهو شاب يافع يطوف بهم حول البيت الحرام.
كإنسان، ارتقى عبدالرحمن النعيمي درجات في الطهرانية والمناقبية العالية التي ولدت احتراما من مختلف المستويات الرسمية والأهلية في البحرين والخليج والدول العربية. كان صادقا مع نفسه، لم تلوثه السياسة بحبائلها ودسائسها ومؤامراتها. فعندما كان يضرب عهدا يلتزم به إرضاء لذاته أولاً، فهو من كرر دوما: تهذيب الذات أصعب ما يواجهه المرء في الحياة. وقد سار على هذا المنهاج وتكشفت له حقائق البشر ومعادنهم. كان يختار أصدقاءه بدقة نظراً لطبيعة عمله في الغربة، لكنه لم يرد سائلا وهو الذي اختار شظف العيش وترك شهادة الهندسة التي حاز عليها من جامعة بيروت الأمريكية منتصف الستينيات.
في لحظة من التاريخ أجد أن هذا الرجل الذي عشت معه لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، نصفها الأول خارج البحرين، كأنه ناسك زاهد سخر كل طاقته لخدمة البشرية لكثرة الأصدقاء الذين كانوا يأتونه من كل حدب وصوب. بعضنا حسده لقدرته على خلق العلاقات والتواصل مع الآخر وقدرته على تحمل المصاعب والانفعالات بطريقة مدهشة تثير الإعجاب والحسد على هذه الملكات التي لا توجد إلا لدى القلة منا.
كانت البحرين ليلة التأبين الأولى حاضرة وكان الخليج أيضا.. كان عالم عبدالرحمن هناك حيث يجب أن يكون.. كأن الجميع في عيونهم اعتذار للفقد المبكر لرجل غير عادي. كأنهم يفتقدون أحلامه وهم يرقبون المشهد من المحيط إلى الخليج تموج به العواصف غير معروفة الخواتيم. وكالذي يعشق حتى الثمالة، بدأ النعيمي منذ خمسة عقود كتابة مقالات وكتب تتراءى لنا اليوم وكأن صاحبها حاضر بيننا يقرأ ويحلل ويراقب المشهد ليعيد صياغته بهندسة درسها وعلمها لأجيال مرت على ذاك البيت الدمشقي، وكذلك البيت البحريني القريب من بحر قلالي الذي أمضى فيه ما تبقى من زمن راقدا في فراشه لكنه مازال فاتحا عينيه على آلام شعبه. لقد ترك النعيمي كل مغريات الدنيا وخبط بجناحيه ومضى مرفوع الهامة مطمئن السريرة والضمير.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٧٨) صفحة (١٣) بتاريخ (٠٧-٠٩-٢٠١٢)