بعد غياب عن الساحة والإعلام ثلاث سنوات لإكمال دراسته

المحيّا لـ الشرق: شُعراء الثمانينيات زاحمونا وعاشوا على وَهم الحضور

253725.jpg
طباعة ٣ تعليقات

الدمامناصر بن حسين

لا تُظهر عاطفتك في الولايات المتحدة فالناس لا يحتاجونها
نحن الشعراء نكذبُ ونموّه من أجل «عواطفنا»
المجتمع السعودي – ككُل- يجهل أساسيات القراءة والثقافة

بدا اسم الشاعر بندر بن محيّا بالتداول في أوساط الساحة الشعبية قبل أكثر من عشرين عاما، وذلك من خلال قصائده التي كان يقولها بصمت، لكنه انقطع عنها من أجل العلم، فرحل إلى شيكاجو الأمريكية، ولكنه عاد عبر البوابة الإلكترونية في موقعه الخاص، وعبر مواقع التواصل. «الشرق» كان لها وقفة مع الشاعر عبر هذا الحوار:

  • ثلاثة أعوام من الغربة والحنين للوطن، كيف مرّت على بندر بن محيّا؟ ومن قال (أنا هُنا) أمام الآخر، بندر الشاعر أم الإنسان؟

- مرّت جميلة ورائعة، لكننا في زمن التواصل الاجتماعي، كل شيء مُيسّر، لم أشعر بغربة حقيقة، وذهابي إلى أمريكا كان ولايزال لتحقيق هدف وتطوير ذاتي وتعليمي، فقد كنتُ مشغولاً في دراستي ونشاطاتي الأكاديمية، صحيح ثمة أشواق لكنها عادية، فالوطن في الذاكرة ويسكنني دوماً حتى وأنا أقطنه.

  •  الحياة هَرولة وسِباق فَرديّ مَع الأقدار، هل كنت تهرب من الشعر أو تهرب إلى الشعر طيلة تلك السنين؟ ولماذا؟

- الحياة سِباق مع أنفسنا في الدرجة الأولى، لكنني كنتُ ومازلتُ شاعراً يُقدّس الشعر ويحترمه، فقد كان هاجسي الوحيد ووطني الأوحد، ربما في الماضي كنتُ أهرب للشعر من الحياة وضغوطها، لكن الآن أجد الشعر قريباً مني وبدون ضغوط.

  •  تُدرك ما هو الفُضول، كيف يرتحل بِنا، مِن أول سَطر غِياب، حَتى آخر فهرس عَودة للوطن، ما هي التغيّرات التي مرّت عليك؟ ماذا فقدت؟ ماذا وجدت؟ ما الذي توقّعت أن تجده ولم يحصل؟

- هذا سؤال ذو أكمام طويلة! مازلتُ فضولياً خصوصاً للمعرفة،عُدت للوطن وبزعمي أنني أكثر وعياً ومبني من الداخل بقوة ورصانة، لذلك أنا مُستمسك بعروةٍ وثقى تجاه محطتي الآنية والمقبلة على نحوٍ مُشابه، فليرضى عني العابرون أو فليسخطوا! ففي الولايات المُتحدة الأمريكية عليك أن لا تُظهر عاطفتك فالناس لا يحتاجونها! أكثر ما تعلّمته هناك وجعلني شخصاً آخر هو الصبر والاختصار، إنها حياة تُرتبك أكثر وتنظّمك أكثر، تغيّرت نظرتي للناس، ولم أتوقع أن أجد الشعر ككائن أو قصيدة يقولها الشعراء الأمريكيون لكنني وجدت الأهم، فقد وجدت الحياة والتعاملات والابتسامات الشاعرية، وكُلها قصائد يعجز عن كتابتها شعراؤنا الشعبيون.

  •  الوجوه، العابرون، الصباحات، جميعها تختلف باختلاف الرؤية لها، كيف قرأتها؟ وماذا تَركت فِي ذاكرتك «وطنيّة المنشأ»؟

- صحيح، هناك تمرُّ بك أوجه كثيرة وملامح عابرة، لم أكن قليل الفضول في قراءة رؤاهم، وطرق تفكيرهم، وعليك أن تكونَ مُلاحِظاً جيداً إن منَّ الله عليك وعشت في وطن آخر ذي ثقافة مختلفة، كنتُ أحرص على أن لا أكونَ مختلفاً عن السلوك العام، وأن أعرف كيف يفكر هذا الشعب، في بعض الأحايين أحلم أن أمتلك عصاً سحرية لتغيير مجتمعنا في بعض تعاملاتنا بناءً على ما رأيت هناك، لكننا نحلم بالتغيير الإيجابي لذلك هذا يوجع ذاكراتنا القديمة، وخصوصاً إن عدنا إلى أوطاننا!

  •  «صباح شيكاغو»: كان تلوحية وداع ودخول إلى الخارج، كان «بليغاً» و«مُبالغاً» في الوَصف، الرعبوب، المرعوب «المشرق، أُمّ الدمع.. إلخ،، إذاً لماذا (العشق: فصّ ملح وذاب)؟

- قصيدة صباح شيكاغو إحدى أقرب القصائد لقلبي وأراهن عليها كثيراً، ومن قال لك إننا لا نبالغ كشعراء؟
يا سيدي: نحن الشعراء نكذبُ ونموّه من أجل عاطفاتنا، إن الشعراء أتعس النّاس وأشرُّ الناس وعليك بباقي الأوصاف، يُخادع العاشق الشاعر في قصيدته القارئ وأحياناً لا ينجح، لكن على القارئ ألا يقيّم قصائد الحب، فهي كُتبت لحبيبة غير مرئية.

  •  بَندر كان يقول شِعراً بـ«صمت»، فعاد ليقوله بـ«صوت»، كيف هِي نسبة الإنصات إليهما؟

لا أعتمد على الصوت في نجاحي لكنّهُ داعم، وإن أردت أن تسأل فاسأل عنه الجمهور، وبالنسبة لرأيي فأنا أعتقد أن معظم الجمهور يعرف شعري أكثر من صوتي.

  •  اتسَع شقّ الإعلام، فصغرت رقعة الشِعر، لو كان فِي يدك (قِطعة نَقديّة) وقُمت بِعمل قُرعة، من تتمنى أن يفوز من تَجارب جيل الثمانينيات، وهذا الجيل؟

- شعراء الثمانينيات زاحمونا، ومازالوا يعيشون على وهَم الحضور وسَراب الماضي، تجاربهم نجحت وأكل عليها الدهر وشرب في أحايين كثيرة، لكن الفرصة أتتهم مجدداً مع فضاء الإنترنت، الذي كنا نكتب فيه وكانوا يضحكون علينا ويستولون على مساحات المجلات والجرائد، اليوم عادوا إلى المضمار نفسه، سأعطيك مثالاً: انظر للفضاء الجديد «تويتر»، أفضل من يكتب فيه والمتألقون هم الشعراء الشباب.

  •  مَع كثرة الإشكاليّات، والأشكال المتعددة للقصيدة الشعبيّة، ألا تُحسّ بأننا نُجيد القِراءة؟

- القصيدة الشعبية لم تخرج من عباءة المقلدين، شعراء لا يريدون أن يتطوروا ولا يقبلون الاختلاف، هذا يقود إلى القول بأن المجتمع السعودي ـككل وليس الشعراء والقراء فقط ـ هو مجتمع يجهل أساسيات القراءة والثقافة، ولذلك لم تعُد القصيدة الشعبية قادرة على إثبات نفسها في العالم الذي يركز على الماديات كثيراً.

  •  سُوريا، الجرح الذي سال «عروبة»، ما العبء الذي تحمله على «ذاكرتك» كشاعر تجاهها؟

- لم أكتب في هذا الجانب، لكنني كتبت ربع قصائدي في فلسطين، وهي قضيتنا التي يجب أن تنتهي أولاً، وعليك أن تؤمن أن عدم حلّ قضيّة سوريا يعني عدم مقدرتنا على حل القضايا الأخرى، فالوضع هناك مُعقّد ولا أريد الخوض ولا أكتب رأيي فيه، لكن سمعت قصائد تستفز القبائل العربية لنصرة سوريا، مضمّنين أن القبائل تلك وهذه جاهزة لنصرة السوريين، هذا شيء غبي ولا يُغتفر ويسيء لوحدتنا الإسلامية والعربية، فقط ذكرت هذا لأقول إن شعراء هذا الجيل لديهم أزمة فكر لا حلّ لها إلا أن يصمتوا ويغلقوا أفواههم، فالشعوب العربية غُيّبت عن انتمائها الإسلامي، وبالتالي فهي تغرق كمجتمع وأفراد وشعراء، وتسألني عن ماذا أحمل في ذاكرتي لقضايانا؟ أنا لا أفخر أن أكون من جيل أمة وشعراء لا يتحدثون عن قضيتنا الأولى.

  •  اخترت عَودتك عبر بَوابة «تويتر»، هَل هذا هو الطموح، أم هذا أقلّ الخيارات «الخاسِرة»؟

- لا طبعاً.. تويتر هو الساحة الجديدة للشعراء، وأنا متأكد أنه يفيد الحقيقين أكثر، فلا مجال للتهريج وعمل الطقوس الغريبة على المسرح، ولا مجال لأن تكون ذات صوت جهوري وترقص القاعة، أنت تحضر بأحرفك فقط، لذلك هو الساحة الجديدة.

  •  إلى أين وَصلت بِك سُفن الغِواية وأشرعة الكِتابة؟

- للناس الذين أغدقوا عليّ محبتهم ولهم حب عظيم بين جوانحي.

  •  كلمة أخيرة..

- شكراً لإتاحة الفرصة، وأرجو أن تعذروني فأنا أكتب الإجابات وأنا على عجلٍ من أمري.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٧٨) صفحة (٢٧) بتاريخ (٠٧-٠٩-٢٠١٢)