قبل قرن من الزمان كانت المعلومات تنتقل من مكان إلى مكان آخر بنفس سرعة مرافقيها، أما اليوم فإن المعلومات ترقى إلى مليار فقرة في الثانية الواحدة، بما يند عن أن يحاط به، حيث إن فقرة واحدة تنتقل بسرعة الضوء وفي جزء من الثانية، ووفقا لما يقوله «لاكي» – Luky المدير التنفيذي في معامل ومختبرات At and Bell في الولايات المتحدة، فإن لدينا حلماً قديماً جديداً على الدوام، في أن نكون شيئاً آخر غير ما نحن عليه، ويتساءل لاكي «عما إذا كان بوسعنا أن نرتبط مع أجدادنا وأترابنا بوسائل مبتكرة وخلاقة إلكترونياً من أجل تحقيق نوع من (الحكمة الجماعية)، تفوق الحكمة الفردية وتعلو عليها»، وهو حلم قديم راود الفيلسوف العربي المسلم «أبو الوليد ابن رشد» قبل ثمانية قرون حين نادى بوحدة العقول ومشاعية المعرفة للوصول إلى هذه «الحكمة الجماعية» .
لقد أصبحت المعرفة اليوم متاحة للجميع في كل مكان وزمان من خلال وسائل الاتصال الحديثة، وأصبح «الجهل» – لأول مرة في التاريخ الإنساني – مع عصر المعلومات ( اختيارا ) ! .. بمعنى أن الإنسان منذ الآن فصاعدا بلا عذر وهو المسؤول وحده عن ( الجهل ) بالأشياء والمعلومات والمعارف التي كانت حكرا في وقت سابق على بعض الفئات والطبقات.
وحسب عالم الاجتماع الأمريكي «دانيال بل» في كتابه «المجتمع ما بعد الصناعي» عام 1973: «أن المعرفة وتكنولوجيا المعلومات صديق حميم، شديد المباطنة، عظيم الهيمنة تماماً، ليس من خارجنا، وإنما من تحت جلد بشريتنا، منذ بروميثيوس وحتى اليوم، وغداً».
إن حقبة الإنتاج والاستهلاك الفاوستي والبروميثي تحل محلها حقبة « بروتينية من الشبكات، حقبة نرجسية بالغة التنوع، وتتسم بكثرة العلاقات والاتصالات والاستجابة والتداخل العام الذي يقترن بعالم الاتصالات.
وبفضل الصور التليفزيونية تصبح أجسامنا والكون المحيط بنا بأكمله بمثابة شاشة تحكم».
أما الناقد الأمريكي – المصري الأصل (إيهاب حسن) فقد طور نظريته الخاصة بالمدينة ما بعد الحديثة، وقال بـ» القرية الكوكبية» التي ستنشأ عن تطور تكنولوجيا الاتصالات، فالتكنولوجيا خاطفة السرعة ستحل محل التكنولوجيا التقليدية وسيصبح الكمبيوتر بديلا (للوعي) أو كامتداد للوعي الإنساني.
ولخص «حسن» ثقافة ما بعد الحداثة بأنها: « تيار يعتمد على تجاوز الصبغة الإنسانية للحياة الأرضية بصورة عنيفة، بحيث تتجاذب فيها قوى الرعب والمذاهب الشمولية، والتفتت والتوحد، والفقر والسلطة وربما أدى ذلك في آخر المطاف إلى بداية ( عهد وحدة كوكب الأرض) «عهد جديد» يتحد فيه الواحد مع الكثير، ذلك لأن تيار ما بعد الحداثة ينبع من الاتساع الهائل للوعي من خلال منجزات التكنولوجيا التي أصبحت بمثابة حجر الأساس في « المعرفة الروحية» في القرن الحادي والعشرين نتيجة لذلك أصبح الوعي ينظر إليه على أنه « معلومات والتاريخ على أنه «حدوث».
إن الانتقال من مجتمع الصناعة إلى مجتمع ما بعد الصناعة ( أو المعلومات) ولد نوعاً جديداً من « الوعي» يمكن أن نطلق عليه « الوعي المعولم» الذي يتجاوز كل أنواع الوعي السابقة: الوعي الوطني بكل تعريفاته من وعي اجتماعي، ووعي طبقي، ووعي قومي؛ هذا الوعي المعولم سيفرز قيماً إنسانية عامة، فـ الكوكبية – Globalism هي روح القرن الحادي والعشرين، ومما يؤكد ذلك أن تنمية شبكات المعلومات الكوكبية باستخدام الكمبيوتر والإنترنت والأقمار الصناعية ستعمق التواصل والتفاهم بين الشعوب المختلفة، مما من شأنه أن يتجاوز المصالح القومية، والمصالح الأخرى المتباينة.
هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن الأزمات الكوكبية المتعلقة بنقص موارد الطبيعة والمياه والطاقة وتدمير البيئة والانفجار السكاني والفجوات الاقتصادية العميقة في العالم، ستولد حلولاً جماعية، إذ لا تستطيع دولة بمفردها أو مجموعة دول مهما عظم شأنها أن تتصدى وحدها للمشكلات الكوكبية.
ومع ذلك، وربما بسبب ذلك، فإننا أصبحنا نعيش أيضا «مفارقة الجهل» حسب تعبير « ماتسيو بيجلوتشي « أستاذ الفلسفة في مركز الدراسات العليا بجامعة مدينة نيويورك، ففي عصر ثورة المعلومات وتدفق المعرفة مازلنا نفتقر إلى المهارات الأساسية اللازمة للتأمل في هذه المعلومات وتدبرها (وغربلتها) للعثور على شذرات الذهب التي تستحق جهدنا العقلي والإنساني.
وبدلا من أن نتحول إلى حشود جاهلة يجرفها فيضان الإلكترون، كما يقول بيجلوتشي، علينا بتأصيل «التفكير النقدي» في أنظمتنا التعليمية من الحضانة وحتى الجامعة وما بعدها، لأن المشكلة الخطيرة التي تواجهنا في الواقع: ليست في الوصول إلى المعلومات، وإنما في القدرة على معالجة هذه المعلومات واستخلاص «الحقائق» منها.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٨٣) صفحة (١٣) بتاريخ (١٢-٠٩-٢٠١٢)