بعيداً عن التعريفات العلمية والأكاديمية للحوار الاجتماعي، وباتجاه إلقاء نظرة على ممارسة الحوار داخل المجتمع ومؤسساته، فقد عُقد منتدى حواري بعنوان (الحوار الاجتماعي الأول)، الذي يعد التجربة الأولى للقطاع الخاص، والمشاركة الأولى لوزارة العمل، حيث تم طرح قضية مهمة وحساسة تهم الوطن والمجتمع كافة بغية الوصول إلى رؤية توافقية بين الأطراف الثلاثة للإنتاج (أصحاب العمل – العمال – الحكومة).
وكان انعقاد المنتدى الحواري الاجتماعي الأول في الأسبوع الماضي؛ حيث ضم الأطراف الثلاثة للإنتاج في سوق العمل، وكان هدف المنتدى من قبل وزارة العمل هو التعرُّف إلى وجهات النظر من قبل الأطراف المعنية في قضية وطنية مهمة ألا وهي: «تحديد أوقات العمل وساعاته في القطاع الخاص»، وسماع الرؤى والأفكار التي تُطرح للوصول إلى توافق بين الأطراف الثلاثة، لأن الوزارة هدفت من هذا المنتدى أيضاً الوصول إلى حل يرضي الأطراف المعنية بالإنتاج والعمل حسب كل قطاع، وخصوصاً فيما يتعلق بتحديد ساعات العمل ومحاولة تخفيضها من (48) إلى (40) ساعة في الأسبوع.
ويمثل انتهاج وزارة العمل مبدأ الحوار تحولاً نوعياً في منهجية الإدارة الحكومية، وبهذا فإن الوزارة أسست من خلال هذا المنتدى بُعداً جديداً في معالجة ومناقشة القضايا المهمة والحساسة التي تهم الوطن والمجتمع كافة؛ حيث تُعد هذه الخطوة التي أقدمت عليها الوزارة خطوة تستحق الإشادة والتقدير من خلال إشراكها الأطراف المعنية في مناقشة قضية مهمة تم طرحها من خلال الحوار.
وكان أمام وزارة العمل قبل عقد هذا المنتدى طريق شاق ودؤوب واهتمام بالغ في إقامة وإعداد مثل هذه المنتديات الحوارية؛ وذلك من خلال طرح القضايا التي لها علاقة بالمجتمع وسوق العمل، لأنها التجربة الأولى لها، لذلك أصبحت مسؤولياتها وتحدياتها كبيرة في الوقت الحالي والمستقبل أمام أطراف العمل من خلال طرح القضايا الحاسمة المهمة للنقاش والتشاور للخروج بتوصيات وتوافق وتقارب يرضي جميع الأطراف المعنية إلى حد ما.
ومن خلال حضوري هذا المنتدى والمشاركة في إدارته فقد اتسم اللقاء بالشفافية التامة والنقد البنّاء من قبل الأطراف الثلاثة أثناء التحاور والمناقشة، وكانت هناك حوارات ساخنة دارت أثناء المنتدى، ولكنها لم تخرج عن أسس الحوار ومبادئه؛ حيث هناك تقبل كل الأطراف وجهات نظر بعضهم بعضاً، بالإضافة إلى رغبة كل طرف في طرح رؤيته وأفكاره عبر هذا المنتدى، وقد استشعرت الهم الوطني لدى المشاركين من أصحاب العمل والعمال أثناء التحاور والنقاش، في محاولة للوصول إلى توافق فيما بينهم لحل مشكلة تحديد ساعات العمل، والخروج برأي تتفق عليه الأطراف الثلاثة.
وما سرني في هذا اللقاء أيضاً هو التزام الجميع بأدبيات وأسس الحوار أثناء النقاش، والمحافظة على الوقت المحدد للتحدث؛ حيث كانت لكل متحدث خمس دقائق يتحدث فيها بما يريد، وكان احترام المتحاورين بعضهم بعضاً واضحاً، وذلك من خلال مشاهداتي وسماعي إياهم أثناء حواراتهم الجانبية التي دارت عند توقف الجلسات، وهذا ليس بمستغرب على أبناء هذا الوطن سواء كانوا مفكرين أو أصحاب عمل أو عمالاً أو غيرهم من المواطنين؛ لأن ديننا الحنيف يحثنا على احترام بعضنا بعضاً ويحثنا على التقارب والتراحم وعدم التباغض والتباعد فيما بيننا.
ومن أبرز إيجابيات هذا اللقاء هي سعادة جميع المشاركين بهذا المنتدى لأن الوزارة فتحت باب المشاركة المجتمعية عبر هذا المنتدى لإبداء الآراء من الجميع بكل شفافية وحيادية، وذلك لمناقشة القضايا وطرحها على طاولة الحوار، وأن الوزارة أصبحت تسمعهم قبل إصدار القرارات التي قد تضر بأحد الأطراف المعنية بهذه القضية.
وختاماً نأمل أن تمتد هذه اللقاءات إلى الجهات الحكومية الأخرى لعقد مثل هذه الحوارات التي تساعد في معالجة كثير من القضايا التي تهم المواطن والوطن، ونصبح مجتمعاً يعزز قيم الحوار ويرسخه بين أبنائه من خلال الممارسة والتطبيق، وتكون هذه الخطوة نبراساً لأجيالنا في المستقبل، ونثبت للجميع أننا متوافقون رغم اختلافنا في بعض القضايا، وأن وحدتنا الوطنية هي أسمى وأهم من أي رهانات أخرى.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٨٥) صفحة (١٢) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٢)