من أهم أسباب الاضطرابات التاريخية والراهنة في مختلف البلدان هو غياب دور المجتمع المدني ومؤسساته في صناعة وصياغة القرار السياسي والاقتصادي والثقافي. فهل وعت النظم العربية لهذه الحقيقة؟ أم أنها لاتزال تكابر وتصر على ممارسة الخطايا واحدة تلو الأخرى لتزيد من تناسل الأزمات السياسية والاجتماعية وترسل المجتمع إلى قاع الفاقة والعوز والفقر والحرمان؟ يجمع علماء الاجتماع على أن استقرار المجتمعات أو اضطرابها ينبع من دواخلها، التي تشكل ترمومترا حساسا لواقع المجتمع وقدرته على حل مشاكله بعيدا عن الاستقطاب وإثارة الغرائز البدائية التي تؤدي في غالب الأحيان إلى تدهور حالة الاستقرار لتنشأ مكانها حالات متقدمة من الاحتراب الداخلي بعد أن تستنفذ كل طاقات التجاذب والتمترس المعبر عن عجز المجتمع، بمستويات مختلفة، عن مواجهة الصعوبات والتحديات التي تمر في طريقه وتعثر تطوره. ويعتقد البعض أن بناء وتأسيس مؤسسات المجتمع المدني هي ضرب من الترف الذي لالزوم له، فيما يرى آخرون أنه تقليد أعمى للمجتمعات الغربية التي تختلف عنا في الثقافة والدين والتاريخ وغيرها من ضروب الأسباب غير المقنعة لأحد في القرن الواحد والعشرين. في حقيقة الأمر إن الهروب من استحقاقات المراحل التاريخية التي تطلبتها المجتمعات العربية أدى إلى التسلط والطغيان وغياب المحاسبة، الأمر الذي قاد لانحدار المجتمعات العربية إلى حالات خطرة من الاحتقانات المتعددة التي تؤدي بالضرورة إلى الانفجار في شكل مطالبات متسارعة إلى تغيير النظم بعد أن أدارت الأنظمة ظهرها لدعوات الإصلاح الضرورية. هذه الدعوات تعني في جوهرها وضع دساتير ونظم أساسية وأعراف عصرية تؤسس لمجتمعات الدولة الحديثة التي هي مدنية بطبيعتها ومتطلباتها المتماشية مع العصر الذي هو عصر الاتصالات والثورات التقنية المتلاحقة التي لايمكن تجاهلها والانعزال في بوتقة الجزر المعزولة التي تعتقد أن رياح التغيير عصية عليها، بينما تفعل هذه الرياح فعلتها فيما يشبه عوامل التعرية الضرورية لتقويم النظم وإبعادها عن التوحش بمزيد من القبضات الأمنية ومضاعفة العسس الذي يفقد أهميته كلما تطورت وسائل التقنية والاتصال في العالم.
إن الدولة المدنية التي تحترم مواطنيها ينبغي أن تسعى للتعاقد بين مكوناتها على أرضية واضحة، وهو ما يسمى بالدساتير العقدية المؤسسة للدولة الحديثة، باعتبار أن الدستور يشكل في العادة الإجماع الوطني إذا جاء تعاقديا وليس في صورة منحة يوضع من طرف واحد. ولايكفي الدستور لاستقرار المجتمع. فكثير من الدول العربية الأكثر اضطرابا تتمتع بدساتير قوية من الناحية النظرية، لكنها مفرغة من زوايا الحقوق والواجبات، وهي الشروط الضرورية لعملية الاستقرارالسلمي والأهلي. هذه الدول غابت عنها العدالة لأنها لم تطبق المبادئ السامية في دساتيرها ولم تتحرك صوب تمدين مجتمعاتها بالطريقة الصحيحة، بقدر ما حولت الدستور إلى أداة للقمع وإحداث الاضطرابات المجتمعية، عندما رحلت الحقوق والواجبات من الدستور «الناصع» إلى القوانين الظالمة. وأغلب الدول القمعية تحيل مواد الدستور إلى القوانين المنظمة، التي تفصل على مقاسات لاعلاقة للدستور بها ولا تعبر بالتالي عن طموحات المجتمع المتوثب للحرية والعدالة الاجتماعية والمواطنة المتساوية المعبرة عن عصرية الدولة.
لقد مرت البلدان العربية بمحطات مفصلية منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، أي، بعد مرحلة الاستقلالات السياسية ورحيل الانتدابات والقوى الاستعمارية والدخول في مرحلة الدولة الوطنية التي كان عليها تأسيس الدولة المجتمع على قواعد منحازة للمواطن بلا منازع. المواطن الذي كان يتطلع لمرحلة ما بعد الاستعمار وبناء المجتمع الحديث وإعادة الكرامة والحقوق المهدورة تحت جيوش الاستعمار. لكن الذي حصل خلاف ذلك تماما، فقد تفننت النظم في مصادرة الحقوق الطبيعية المشروعة للناس، ومارست عمليات إفقار بسبب غياب الاستراتيجيات التنموية الضرورية، فتحول المجتمع العربي إلى مستهلك بالدرجة الأولى وغابت الإنتاجية منه، فهو يستهلك أكثر من ثمانية أقراص من الخبز من أصل عشرة، ويستهلك كل شيء من وراء البحار. ودون استبعاد عمليات تقسيم المنطقة العربية إلى مناطق نفوذ استعمارية جسدتها اتفاقية سايكس بيكو عام 1917، إلا أن النظم العربية لم تر في إعادة توحيد ما جزأه الاستعمار ضرورة حياة، إنما استثمر للتمترس نحو القطرية التي أدت إلى تبعية المجتمعات الصغيرة إلى الكارتلات الكبرى في العالم المتمركزة في العواصم الاستعمارية التي تعرف تفاصيل التركيبات الديموغرافية للمجتمعات العربية، فحرصت على إبقاء التخلف في الوقت الذي واصلت فيه نهب الثروات بطرق مستحدثة قادرة على الاستمرار.
النتائج الكارثية لغياب التعاقدات المجتمعية وتدمير مؤسسات المجتمع المدني الناشئة إما بضربها أو بخلق مؤسسات هجينة لاعلاقة لها بالمجتمع المدني بقدر ما هي جزء من ديكور الدولة الحديثة المطلوب دوليا..هذه أدت إلى استحقاقات لاقدرة على الدول العربية بواقعها الراهن القيام بها. فالوطن العربي بحاجة إلى مليون فرصة عمل سنويا، وهو أصلا بحاجة لتشغيل عدة ملايين هم الآن عاطلون عن العمل، وفوق كل ذلك تحتاج المجتمعات العربية إلى انتشالها من الفقر الذي بدأ يثقب أمعدة المواطنين.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٨٥) صفحة (١٣) بتاريخ (١٤-٠٩-٢٠١٢)