تحولت التظاهرات المناهضة للإساءة إلى الإسلام في عدة مدنٍ عربية وإسلامية إلى أعمال عنفٍ وحرق وتدمير، فاشتعلت السفارات وهوجمت الممتلكات وسقط قتلى، لتتحول المسألة من احتجاج سلمي إلى تخريب أضّر بصورة من خرجوا للانتصار لقضية عادلة وأدخل عدة حكومات في مشكلات أمنية ودبلوماسية.
ورغم أن الداعين لهذه التظاهرات شددوا قبل قيامها على وجوب سلميتها تعبيراً عن قيم الإسلام الحنيف التي تحض على حماية الأرواح والممتلكات، إلا أن الأمر انقلب فجأة فعادت مشاهد الكر والفرّ بين متظاهرين غاضبين ورجال أمن إلى شوارع القاهرة وتونس وليبيا، ثم امتدت إلى الخرطوم وصنعاء وغيرهما في خرقٍ لسلمية هذه التحركات تجلى واضحاً في إقدام محتجين على إضرام النار في مطعمٍ للوجبات السريعة شمال لبنان بدعوى أنه «أمريكي».
والراصد لمسار الأحداث وتصاعدها يلاحظ أن أعنف الاحتجاجات وقعت في دول الربيع العربي، مصر وليبيا وتونس واليمن، ما يشير إلى أن حالةً من الإحباط بدأت تسيطر على مجموعات ثورية شبابية في هذه الدول نتيجة عدم اكتمال المسار الثوري، ولكون نتائج التغيير لم تتحقق بعد، وهذا الإحباط الذي تحول إلى طاقة عنف خلال التظاهرات ضد الفيلم المسيء.
كما يبدو ملحوظاً أن جماعات تؤمن بالعنف وجَّهت الغضب الشبابي في مسارات غير سلمية فكان من نتائج ذلك أن نجد من يجنح بالعشرات إلى الاعتداء على البعثات الدبلوماسية تأثراً بتفكير هذه الجماعات.
وتكشف الأحداث أيضاً أن القوى السياسية في دول الربيع العربي لم تبذل جهداً كافياً في قيادة الشارع هذه المرة فبدا تحركه أسرع منها ما وضعها في خانة رد الفعل فلم تتمكن من تنظيم مشهد الغضب أو احتواء تفاعلاته بل ظهرت في مظهر المقصِّر في مجال التوعية السياسية للجمهور.
إن ما جرى في عدة دول عربية خلال الـ 72 ساعة الماضية يشير إلى خللٍ واضح على الصعيد السياسي، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر من قِبَل المثقفين وقادة الرأي في مسألة كيفية التعبير عن قضايا الأمة وآلياته.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٨٦) صفحة (١١) بتاريخ (١٥-٠٩-٢٠١٢)