ترقى المجتمعات بسواعد أبنائها، وتنهض بطموحهم، وتسمو بهممهم إلى عنان السماء، لكنها إذا استقرت بها الأمواج تفسد مياهها وتأسن، فمَنْ يقع عليه واجب التغيير إذن؟ ومَنْ يُعيد لها نهوضاً يومئذ؟
لاشك أن الجميع يشترك في تلك المهمة، لكن المفكرين والمثقفين يقع عليهم الدور الأكبر في تحريك أمواج التقدم والنهوض، من خلال طرح أفكارهم الإيجابية، لا يقتصر الأمر على ذلك، بل يتعداه إلى الدفاع، بكل طاقاتهم وإمكاناتهم، عن القيم والمرتكزات الحضارية.
كما يقع عليهم محاربة الجهل، العدو اللدود للمجتمع، وهدم معاقله أينما وُجِدت، وظهرت علاماتها، وكذلك، عليهم، يقع الاضطلاع بدور أكبر في محاربة التخلف كلما برزت لهم مؤشراته.
لكن مع الأسف الشديد أن بعض المثقفين ينظرون إلى مجتمعهم وكأنهم من كوكب آخر، ويتعاطون مع قضاياه وواقعه بشكل غير واقعي ولا عقلاني، وذلك بركونهم إلى التنظير الذي سئمت منه المجتمعات.
ما زاد الطين بلّة، في الآونة الأخيرة، مع شديد الأسف، هو انشغال بعضهم بتوافه الأمور وصغائرها، ودورانهم في ذات المكان، وتضييعهم الوقت بمشاجرات وصراعات تُفسد ملتقياتهم، وتحوِّلها عن مسارها، فينحرف بهم القطار، المتأخر، أصلاً، عن ركب الحضارة.
البلد بحاجة إلى مَنْ يرقى به من خلال فكره وممارسته السويَّة، فعندما نحقق التصالح مع الذات، ونتصالح مع بعضنا بعضاً، عندها نطمح إلى توظيف القلم لمحاربة مَنْ يُحاول تجزئة الوطن إلى (أقاليم) فكرية، ترتبط بانتماءات وولاءات، يؤصَّل، من خلالها، لثقافة الإقصاء والتهميش. ما نريده، بالفعل، هو الارتقاء بحواراتنا، والنهوض بوطننا، ليتجسّد ذلك النهوض شموخاً تنموياً مذهلاً، نشعر من خلاله بوحدتنا رغم اختلافاتنا، فالسلاح هو القلم، وبالقلم تنهض الأمم، أليس كذلك، يا أرباب القلم؟

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٩٠) صفحة (٦) بتاريخ (١٩-٠٩-٢٠١٢)