أغادر الصين بتجربة ثرية و دروس كثيرة. أول الدروس التي تعلمتها من جولتي في الصين أن أعيش التجربة على الأرض قبل أن أحتكم في أحكامي على قراءات مختلفة أو على ما تشكل في الوعي من كلام الآخرين. وجدت صيناً مختلفة عن تلك الصين التي تشكلت في ذهني إلى ما قبل أسابيع. وجدت مدناً أنيقة و منظمة. و رأيت شعباً حيوياً يعمل ليل نهار في تناغم و كأنه على علم مسبق أنه سيمتلك المستقبل. مشيت في شوارع بكين لساعات طويلة و لم أتعرض لما يمكن أن يعكر المزاج أو يثير الخوف. شعب منظم محترم يتعامل مع زائر المدينة بأدب جم. و الأهم عندي أنني رأيت بعيني كيف تتبنى الصين اليوم مشروعاً تنموياً عملاقاً سينقل الصين في غضون سنوات إلى أهم لاعب في ساحة الاقتصاد العالمي. استمعت إلى مسؤولين رسميين و رجال أعمال و دبلوماسيين و أكاديميين و أناس أقابلهم في الأسواق و المطاعم. و الجميع هنا يتحدث لغة واحدة و واثقة: المستقبل لنا. دهشت من نظافة المدن الصينية التي زرتها و فسحة شوارعها و ميادينها. و مشاريع التنمية لم تتركز في المدن و تهمل الأرياف. صناع السياسة التنموية في الصين مدركون جيداً لأهمية تنفيذ مشروعات تنموية متوازنة. فحصة المناطق المتأخرة اقتصادياً في مشاريع التنمية متكافئة مع المدن الكبرى. بل إن الأولوية في الخطط القادمة هي للمناطق المتأخرة. في بكين أسواق شعبية و أخرى فخمة كثيرة. سألت مرافقي: لماذا تكثر الأسواق في بكين؟ قال لكيلا يتزاحم الناس في مناطق معينة. ثم أضاف: و الناس تحب أن تشتري! و لو لم تتحسن أحوال الناس الاقتصادية لما رأيت الأسواق الفخمة و الماركات العالمية الشهيرة تنتشر في أغلب الشوارع الرئيسية. و تلك دلالة أخرى على أن الصين تسابق الآخرين في انفتاحها المتزن على العالم.
بدأت سرد مشاهداتي في الصين قبل عشرة أيام و قلت إن الصين تتغير. و تحتفي بسباقها نحو التميز. و أختم مشاهداتي بنفس الفكرة. الصين يومياً تتغير. و تسابق الزمن نحو المستقبل.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٩٢) صفحة (٢٨) بتاريخ (٢١-٠٩-٢٠١٢)