في التاريخ الحديث نماذج كثيرة للدولة الأمنية التي انتهت وتلك التي لاتزال قابضة على مفاصل المجتمع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فتعرف كل حقل في الحياة انطلاقاً من المبدأ السائد في عديد من الدول «الأمن أولاً»، وهو فوق كل اعتبار انطلاقاً من تعريف الدولة الأمنية المستبدة لمفهوم الأمن وليس التعريف العلمي له.
في كتابه «طبائع الاستبداد»، يعرف عبدالرحمن الكواكبي الاستبداد بأنه «صفة الحكومة المطلقة العنان فعلاً أو حكماً، التي تتصرف في شؤون الرعية كما تشاء بلا خشية حساب ولا عقاب محققين». ولايمكن إطلاق العنان لحكومة ما إلا إذا كانت هي صاحبة القرار الأول والأخير في تسيير الأمور. هذه الحكومة قد تكون نابعة من انقلاب عسكري حدث بعد أن تيقَّن الضابط أن الباقي في الثكنة يغطون في نوم عميق، أو أنها مسيرة من قبل الحزب الحاكم الذي استولى على السلطة بطريقة قد تكون ديمقراطية فحولها إلى حكم مطلق، أو أنها توارثت الحكم فوصلت إلى ما وصلت إليه.
التجربة السوفيتية التي دامت أكثر من سبعين عاماً تُعد نموذجاً صارخاً للدولة الأمنية التي انهارت، ليس بسبب غزو خارجي أو محاولة انقلاب شكلي قام به بعض ضباط الجيش الأحمر ليقفز مسؤول مدني هو يلتسين فوق دبابتهم فيسقط المحاولة، بل إن انهيارها بسبب تعفن مفاصل الدولة التي لم تكترث بالمسالة الديمقراطية ولم تكترث بنظام الحوافز الفردي، بعد أن توهمت القيادة أن بلادهم بلغت مرحلة دولة كل الشعب، في الوقت الذي كان المواطن السوفيتي يقضي اغلب عمره في طوابير الخبز واللحم والفودكا.
الانهيار الكبير للدولة السوفيتية العظمى سبقه انهيارات صغيرة في نفس المعسكر الاشتراكي الذي كان يخوض الحرب الباردة، وكان سقوط جدار برلين هو العنوان الأبرز لنهاية هذه الحرب مثلما كان عنوان بدايتها بعد الحرب العالمية الثانية.
لقد كان جهاز الاستخبارات السوفيتي (كى. جي. بي) مرعباً، ليس لمواطني الجمهوريات السوفيتية فحسب، حيث هناك الكثير من الأجهزة الأمنية المحلية التي تتابع نفس المواطن، لكن الجهاز الأم أرعب كل الدول الحليفة وتلك التي كان معها في خصام أو حرب مستترة. وكان لهذا الجهاز الفضل في الكشف عن الكثير من الأسرار التي يمتلكها الغرب، بعد أن استخدم الكى جي بي عدة أساليب للإيقاع بالخصوم بما فيها الجنس.
إن أغلب دول العالم الثالث هي دول أمنية مستبدة بامتياز، تصرف على أجهزتها الأمنية والعسكرية أضعاف ما تصرفه على التعليم والصحة والبنى التحتية، وهي مطلقة في قراراتها كونها تملك السلطة والثروة وتعد أنفاس مواطنيها لكيلا يفلت لسان أحد منهم ضد المتحكم في مصائر الناس. ومع الوقت تتحول الدولة الأمنية إلى عبئ على أصحابها بعد أن تتضخم أجهزتها وتتحول مهمة الحكومة من الاهتمام بالتنمية الإنسانية المستدامة بما فيها العيش الكريم ومكافحة الفقر والبطالة، والعمل على إيجاد فرص العمل الجديدة وشروط العمل اللائق…تتحول إلى خادم لدى الأجهزة الأمنية وتفريعاتها، وهي بذلك تعلن بداية حفر قبرها بأيدي مسؤوليها.
في الدولة الأمنية تغيب المحاسبة والمكاشفة والإفصاح، ويحل محلها التكتم والسرية باعتبار إن كل شيء هو من أسرار الدولة التي لايجب الكشف عنها حتى وان كانت موازنة الدولة.
لذلك يؤكد جميع المتخصصون في هذا الشأن على أن تعفن الدولة الأمنية يبدأ بالتسلط وفرض الأحكام المطلقة ويمر عبر الفساد في ظل غياب التدقيق والمحاسبة ليصل إلى الانهيار الكامل الذي يمكن أن يحدث في طرفة عين بسبب حماقة ترتكب هنا أو مغامرة يقدم عليها مسؤول أو قطب هناك لتبدأ الدولة بالتفكك بعد أن ينخرها ويصيب نقاط قوتها في مقتل بعد أن توصل الدولة المواطن إلى حالة من اليأس لايعد الخوف يجدي معه.
ولعل هذا هو جزء من المشهد الذي عاشته مصر مبارك وتونس بن علي وليبيا القذافي وغيرهم من الدول التي لاتزال ترى في الدولة الأمنية المستبدة مخرجا من المازق بدلا من الحوار المفترض أن يكون وإشاعة الحريات العامة واحترام حقوق الإنسان والمواثيق الدولية ذات الصلة.
الدولة الأمنية المستبدة بطبيعتها هي دولة فاشلة على كافة المستويات. فهي لاتوفر العمل لمواطنيها، بل تتهرب من هذا الواجب وإذا قامت به جزئياً اعتبرته منة ومكرمة، وهي لاتوفر الأمن الحقيقي الذي يحتاجه الناس، بل توفر أمنها أولاً، أي إشاعة الخوف والرعب، وهي أيضاً لاتستطيع إدارة الاقتصاد فتبدأ الأزمات المعيشية في التناسل واحدة من رحم الأخرى، كما أنها لاتملك استراتيجيات إلا على مقاساتها هي وليس على مقاسات تطلعات المجتمع الذي تقبض على مفاصله.
ماكتبه عبدالرحمن الكواكبي قبل أكثر من نصف قرن، يترجم اليوم في عديد من بلدان المشرق والمغرب العربيين، فهي دول أمنية مستبدة لن تعمر طويلا.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٩٢) صفحة (١٣) بتاريخ (٢١-٠٩-٢٠١٢)