كانت الأسواق التجارية في الماضي تمثل ملتقى للتبادل التجاري والثقافي والاجتماعي، وعلامة بارزة على تطور المدن آنذاك، وكثرة سكانها، وقوتها تجارياً وعسكرياً مع باقي المدن المجاورة لها، وخير دليل على ذلك سوق عكاظ الذي كان يُعد من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، إذ كانت تفد إليه معظم قبائل العرب، لتعرض فيه السلع والمنتجات التجارية مثل: الألبسة والأقمشة والأواني المنزلية وأدوات الزينة والعطورات والأسلحة: كالخناجر والسيوف وغيرها، إلى جانب ذلك كانت تلك الأسواق ملتقى للصلح بين القبائل وحل الخصومات والمنازعات، وكذلك إنشاد الأشعار، حيث كان الشعراء يلتقون فيها وينشدون أشعارهم حتى اشتُهروا وصاروا معروفين من قبل كل القبائل العربية ونُقلت أشعارهم من جيل إلى جيل، وخير دليل على ذلك ما وصلنا من المعلقات السبع التي اشتهرت بين الناس إلى وقتنا الحاضر.
وفي هذه الأيام تقام فعاليات سوق عكاظ السنوي السادس الذي تم افتتاحه الأسبوع الماضي، ومما يميز تلك الفعالية الاهتمام الكبير من المثقفين والمفكرين للحضور والمشاركة، كذلك إقامة هذا الملتقى على نفس موقعه الأساسي القديم الذي أعطاه ميزة ونكهة خاصة، وكذلك الاهتمام بالتراث والزي القديم الذي ينقلك إلى تلك الأيام البعيدة جداً.
وقد شدني في فعاليات هذا السوق منتدى الحوار الشبابي الذي أقيم في أول يوم والذي كان بعنوان: (ماذا يريد الشباب منا وماذا نريد من الشباب)، حيث تم توزيع اللقاء على ستة محاور شارك فيها عدد من قيادات الدولة، وكذلك عدد من طلاب وطالبات جامعات المملكة، والهدف من هذه الندوة هو تشجيع التواصل بين الشباب وأصحاب القرار لترسيخ التواصل الإيجابي لتبادل الأفكار معهم، وعرض تجاربهم الثقافية العملية والعلمية.
ومن هذا المنطلق فإنه يجب الاهتمام بأسواقنا القديمة الموجودة في المملكة عبر إضافة بعض اللمسات الجمالية مثل: بناء بعض الحوانيت والمقاهي الشعبية والمطاعم، لنجعل من هذه الأسواق مزاراً خاصاً وجاذباً لكل الناس أيام الأعياد والإجازات الأسبوعية وغيرها، ولتصبح هذه الأسواق معلماً من معالم كل مدينة ومزاراً سياحياً يمكن أن يجذب إليها السياح من كل الدول فضلاً عن المواطنين، ولنعيد إلى أسواقنا الشعبية عبقها وأصالتها ولنتيحَ الفرصة لكل المواطنين الذين لديهم اهتمام بالتراث أن يعرضوا منتجاتهم ويسوّقوها عبر معايير ونظم توضع لتلك الأسواق.
واليوم لو أتيحت لك الفرصة وقمت بزيارة بعض الدول العربية وتجولت في بعض مدنها، لاستنشقت عبق الماضي ينبعث من أسواقها القديمة التي لاتزال عامرة وتكتظ بزبائنها وروادها من محبي التراث وممن يعشقون الماضي العظيم، وتراها شامخة بكبريائها وعظمتها تزاحم الأسواق الحديثة وتقاوم عوادي الزمن وعوامل الفناء ولو استنطقتها لحدثتك عن عراقتها وأصالتها وأمجاد أهلها، وتجدها عامرة بالزوار في كل وقت يستمتعون بما تحويه تلك الأسواق من بضائع وسلع قديمة وحديثة.
وفي اعتقادي أننا بحاجة لتطوير مستوى ونوعية الفعاليات لسوق عكاظ وتوسيع هذه الفعاليات الفكرية لتصبح مشهدا ثقافيا متكاملا بحيث يصبح هذا السوق فارقة ثقافية وفكرية وطنية بل عربية، تعيد المملكة إلى الموقع الذي تستحقه على خارطة اللقاءات والمهرجانات العربية والدولية بالإضافة إلى ما سيقدمه ذلك من تنشيط لحركة السياحة وانعكاساتها الثرية على المستوى الوطني من الناحية الثقافية والاقتصادية فإنني أقترح على الجهة المنظمة لهذه الفعاليات أن يتم في كل سنة اختيار أحد الأسواق التجارية القديمة والشعبية في البلاد العربية والإسلامية والتي لعبت دوراً كبيراً في التاريخ بأن يكون هذا السوق هو: «ضيف سوق عكاظ» ويتم التعريف به وبتاريخه ومنجزاته ودعوة بعض القائمين عليه للحضور لإلقاء ندوة عن هذا السوق، وإحضار بعض الصناعات والمنتوجات التي يشتهر ببيعها ذلك السوق، لعرضها أمام الزوار، وبهذا نستطيع أن نقرب المسافات بيننا وبين تلك الأسواق التجارية القديمة التي كانت مزدهرة في ذلك الوقت فهناك تجربة مماثلة كمهرجان الجنادرية ومعرض الكتاب إذ نلحظ في السنوات الأخيرة وجود ضيف شرف للمهرجان وهي دولة يتم تحديدها من قبل اللجنة المنظمة فيتم تخصيص جناح كامل لعرض منتجات وثقافات هذه الدولة، واستضافة مثقفي الدولة وأبرز شخصياتها فتكون فعلاً ظاهرة ثقافية فكرية مثمرة وتفيد الجمهور والمهتمين من المواطنين وزوار المعارض.
وختاماً أرجَعَنَا سوق عكاظ من حاضرنا إلى ماضينا وأصبحنا نستذكر الوقائع والفترات الزمنية التي مرت على ذلك السوق، وهذا يُعد إنجازاً رائعاً لابد من الاستمرار والمحافظة على إقامته كل سنة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٢٩٢) صفحة (١٢) بتاريخ (٢١-٠٩-٢٠١٢)