في كثير من الدول المتقدمة؛ يمثّل النقل محوراً لتنظيم حياة السكان بشكل عام. يخرج الموظف من منزله باتجاه محطة الحافلات، أو القطار، أو المترو، أو الترام في موعد محدد، ومن المحطة ينطلق إلى مقرّ عمله فيصل في الموعد المحدّد. ويحدث مثل ذلك بعد مغادرته مقرّ عمله، حيث يصل إلى منزله في الموعد المحدد. وإلى جانب هذه الخيارات؛ هناك خيار ركوب سيارة أجرة، أو استخدام سيارته الخاصة..
وفي تنظيم كهذا؛ تتحوّل وسائط النقل إلى تروس نشاط وعمل تدور بشكل مستمر طيلة اليوم. وتخدم خطوط سير محددة يعرفها المستخدمون بحكم تعاملهم اليومي، وبحكم وجود أدلة ومعلومات معلنة في المحطات والخرائط. ويشمل هذا النوع من التنظيم توفير وسيلة النقل في المكان نفسه وخط السير ذاته مرة كل خمس أو عشر دقائق أو حتى ربع ساعة. وذلك من أجل ضبط إيقاع حركة الناس واستيعاب تدفقهم الكثيف في أوقات الذروة التي تفرضها دورات العمل في الأجهزة الحكومية والخاصة والأسواق والمرافق المختلفة.
في تنظيم كهذا؛ يطمئن الموظف إلى وجود نظام نقل عام يستوعب احتياجاته، بحيث يمكنه الاستغناء عن السيارة، ويجنّبه الزحام المروري الذي تكتظ به المدن والحواضر الكبيرة.
وهذا ما تطمح إليه حكومة خادم الحرمين الشريفين التي قرّر مجلس وزرائها أمس إنشاء هيئة متخصصة للنقل العام. فهذه الهيئة سوف ترفع كثيراً من الأعباء الملقاة على وزارة النقل، بحيث تتفرغ الهيئة المستقلة مالياً وإدارياً لتنظيم خدمات النقل العام للركاب داخل المدن وبين المدن، والإشراف عليه وتوفيره بالمستوى الجيد والكلفة الملائمة، وتشجيع الاستثمار فيه بما يتفق مع أهداف التنمية الاقتصادية والاجتماعية في المملكة.
وتشمل اختصاصاتها تنفيذ خطط النقل العام على مستوى المملكة، والتأكد من توفر التمويل لأنشطة النقل العام من مصادره المختلفة، وتحديد شبكة خطوط النقل ومساراتها، ومواقع مرافقها، ووضع مواصفات وسائط النقل العام ومنح التراخيص والتصاريح واقتراح آلية لتنظيم أجور النقل العام، وتوفير الظروف الملائمة لجذب الاستثمارات في هذا المجال.
إنه تنظيم جديد ينسجم والاحتمالات السكانية والعمرانية الآخذة في التزايد على مستوى مناطق البلاد المترامية. ومن شأنه أن يفتح باباً من أبواب الاستثمار التي تفتح بدورها أبواباً أخرى من فرص العمل. وعلاوة على ذلك؛ تخفّف كثيراً من استخدامات النقل التقليدي المقتصرة على المركبات.
وبما أن وزارة النقل؛ قد قطعت شوطاً طويلاً في التخطيط لمستقبل النقل في البلاد، وتجهيز شبكة عريضة من الطرق، فإن فرص أبنائنا وأحفادنا ستكون أوفر في الاستفادة من هذه الخدمة.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٠٣) صفحة (١١) بتاريخ (٠٢-١٠-٢٠١٢)