التحذيرات التي صرّح بها وزير الزراعة الدكتور فهد بالغنيم حول المخاطر السياسية والأمنية والاجتماعية التي يُمكن أن تجرّها مشكلة ارتفاع الأسعار واقعية جداً. ويمكن أن تنطبق على أيّ شعب من شعوب الأرض، وهو أمر يُدركه القادة والساسة ويضعونه نُصب أعينهم في كل يوم من أيام عملهم.
وبلا شك؛ فإن القيادة السعودية تركز اهتمامها على هذه المسألة من منطلق مسؤوليتها الوطنية والدينية والأخلاقية والسياسية.
كلام الوزير ذهب في تفصيل رأيه حول واقع ارتفاع أسعار بعض السلع. ولكنه أيضاً أشار إلى قضية أساسية في تعاملنا مع الغذاء بشكل عام. إنها قضية التبذير والإسراف. وقد يجد البعض في كلام الوزير بالغنيم مواربة عما تشهده سوق المواد الغذائية في البلاد. ولكنه كلام واقعي جداً حين نتناوله من زاوية حقيقة تعاملنا مع النعمة. صحيح أن عاداتنا المسرفة ليست السبب الرئيس، ولكنها واقعة ضمن الأسباب.
إن الإسراف يؤدي إلى نفاد المخزون. ونفاد المخزون يتطلب تعويض النقص. وتعويض النقص يتطلب توريد ما نحتاجه. وحين يتوفر ما نحتاجه في منازلنا، ثم نعامله بإسراف؛ فإن ذلك سوف يعيد الكرة من جديد من نفاد المخزون وصولاً إلى توفر ما نحتاجه.
هذه الدورة تحدث لدى ربات البيوت، وفي المطاعم، وفي الولائم والدعوات الوجاهية. والنتيجة هي الإبقاء على الاحتياجات مفتوحة ومستمرة بأكثر مما يتطلبه الأمر بشكل واقعي. فما تضعه زوجاتنا في موائدنا لخمسة أشخاص يكفي عشرة، والوليمة التي يقيمها أي منا لخمسين شخصاً تكفي لأكثر من مائة، والوجبة التي نطلبها من مطعم لشخصين تكفي أربعة.
وهكذا تدور دائرة الطلب التي تستهلك العرض، فتؤثر النتيجة -إجمالاً- في السعر المناسب. صحيح أن هذا السبب ليس هو السبب الوحيد، ولكنه سبب مؤثر، وتأثيره يبدأ بميزانية المنزل، ويصل إلى حجم الإنتاج أو الاستيراد. والمنزل الذي تكفيه عشر دجاجات فعلياً؛ سوف يشتري عشرين دجاجة، وعلى البائع أن يوفر هذا العدد، وعلى تاجر مزرعة الدواجن أن يوفر للبائع هذا العدد. وهكذا يتفوق الطلب على العرض ويرتفع السعر.
ولكن لو اكتفى المنزل بطلب عشر دجاجات؛ لما احتاج البائع إلى توفير عشرين، ولن يضطر صاحب المزرعة إلى توفير ما يحتاج البائع. وبذلك يستقر السعر.
الدائرة واضحة، ولكن قليلاً منا مَن يتجرأ على كسرها بالاقتصاد. فالعادات التي تأسرنا تمنعنا من دعوة عشرين شخصاً إلى وليمة تكفي عشرين شخصاً فقط.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣٠٧) صفحة (١١) بتاريخ (٠٦-١٠-٢٠١٢)