تشهد الساحة المصرية حركة تحالفات واندماجات بين القوى السياسية المتقاربة، بعد أن تيقن الجميع أن جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسية حزب الحرية والعدالة يسيران باتجاه الإطباق على مفصل جديد من مفاصل الحياة السياسية الجديدة في مصر والمتمثل في الجمعية التأسيسية لكتابة الدستور المصري.قبل عام كانت حالة التنسيق جنينية، وكانت القوى السياسية المصرية تتلمس طريقها وتتعرف على الأحجام السياسية الجديدة بعد عهد نظام مبارك، الأمر الذي كلفها كثيراً على مستوى الانتخابات الرئاسية التي كانت محتدمة حينها. أما اليوم وفي ضوء الحراك الذي تشهده الساحة بدأت الاصطفافات تتضح أكثر من تلاقي الأحزاب المتشابهة والمتقاربة في الفكر والأيديولوجيا. فقد تجمعت عديد من الأحزاب التي تتبنى خطاً ليبرالياً لتشكل حزب المؤتمر الذي يعد عموده الفقري حزب الغد الذي يقوده أيمن نور الذي تم سجنه لسنوات بعد أن تجرأ على الترشح في منصب الرئاسة ومنافسة الرئيس المخلوع حسني مبارك. إلا أن حركة الاندماج الأخرى التي شهدتها الساحة المصرية هي تحرك القوى الناصرية والقومية والاشتراكية لتشكل حزباً ناصرياً اندماجياً يؤسس لحركة ناصرية أكثر فاعلية مما هو موجود حالياً، حيث أعلنت مجموعة من هذه الأحزاب التي تنتمي وتؤيد فكر الزعيم الراحل جمال عبدالناصر عن نيتها الاندماج على أن تجرى التحضيرات التنظيمية اللازمة لكل حزب على مستوى هيئاته القيادية والقاعدية لقرار الاندماج والتخلي عن ذاتيته.ما يجري في مصر هذه الايام بداية صحوة وطنية على حال الواقع السياسي الذي وصلت له الساحة المحلية بعد عشرين شهراً على ثورة 25 يناير التي أسقطت النظام السابق لكنها لم تتمكن بعد من اختطاط طريقها للخروج من أزمات تراكمت على مدى أكثر من ثلاثين عاماً قاد فيها النظام السابق مصر إلى مزيد من المديونية والانعزال عن محيطها العربي وتراجع دور مصر الإفريقي الذي يشكل عمقاً استراتيجياً بالنسبة للثروة المائية حيث ينبع النيل من دول في القارة ويعبر أثيوبيا ويصل مصر عبر السودان.
زاد من موضوعية وضرورة حركة الاندماجات، إمعان حزب الحرية والعدالة وإصراره على أن يكون مقرراً في الجمعية التأسيسية التي تصيغ دستوراً مصرياً، وخصوصاً محاولة ممثلي الحزب إدخال مواد في الدستور تمنح الأزهر الشريف المرجعية في تمرير التشريعات، وهو الأمر الذي ترفضه القوى الأخرى وخصوصا تلك المتمثلة في الجمعية مثل حزب الوفد الذي يحضر عناصره ومؤيدوه في الجمعية لإعلان انسحابهم إذا أصر الحزب الحاكم على رؤاه في موضوع المرجعية خارج المنظومة التشريعية. أجج هذا الوضع الملتبس تسريبات من داخل الجمعية التي تصيغ الدستور، مما حدى بأحد عشر حزباً وشخصيات سياسية ووطنية معروفة في مصر على إصدار بيان بهذا الشأن دعت فيه كافة ممثلي القوى الوطنية والديمقراطية إلى الانسحاب فوراً من التشكيل الحالي للجمعية التأسيسية والضغط لتشكيل جمعية تأسيسية جديدة «تحقق الطموح المشروع للشعب المصري في دستور يليق بالقرن الحادي والعشرين ويتجاوب مع استحقاقات الثورة المصرية المجيدة في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية». وذهب الموقعون على البيان إلى تحميل رئيس الجمهورية المسؤولية عن تحقيق التشكيل المتوازن وعن منع الاستيلاء الحزبي على الدستور وكذا في ضرورة الوفاء بتعهداته السابقة بإعادة تشكيل الجمعية التأسيسية لتعبر عن كل الوطن بلا تمييز أو هيمنة أو إقصاء. بيد أن الأمور لم تسر كما أراد من وقعوا البيان، حيث تم التوافق مساء الأربعاء الماضي (10 أكتوبر) على الاتفاق على مادة دستورية انتقالية تنظم بموجبها الانتخابات النيابية خلال ستين يوماً، ما يعني دخول البلاد مرة أخرى في منافسات تقتضي من الأحزاب المتوافقة في الفكر على الدخول في المعترك المقبل بقوائم موحدة لمواجهة استحقاقات مفصلية في الحياة السياسية في مصر.
ربما لاتزال الأوراق مختلطة بما يكفي لأن تبقى الموازين النيابية كما هي، فقد لاحظت من خلال لقاءات أجريتها خلال الأيام القليلة الماضية في القاهرة مع عديد من الأحزاب من مختلف الأيديولوجيات أن الوضع العام لايزال يعاني من إرباكات ما بعد الثورة، وعدم الخروج من سكرة سقوط النظام السابق الذي دمر الحياة الحزبية في مصر إلا جماعة الإخوان والسلفيين الذين يمتلكون إمكانيات مالية هائلة وشبكات تواصل مع الجمهور تفتقدهما أغلب الأحزاب السياسية. هذه الأحزاب لاتزال تسير ببطء نحو خلق تحالفات جدية واندماجات من شأنها خلق وقائع جديدة على الأرض واحتلال مساحة مهمة في المعركة النيابية المقبلة.
مصر لاتزال مثقلة بوضع اقتصادي شديد التعقيد ينعكس اجتماعيا في صورة مساعدات الجمعيات الخيرية التي مرجح أن يكون لها الكلمة الفصل في الاستحقاق النيابي المقبل، إلا إذا حدثت قفزات في الحراك السياسي.

نشرت هذه المادة في صحيفة الشرق المطبوعة العدد رقم (٣١٣) صفحة (١٣) بتاريخ (١٢-١٠-٢٠١٢)